شخصية العدد

تخلص من مراتك بالفندق المراياتي

رحلة : غادة أحمد

إذا أردت أن تتخلص من زوجتك ” النكديّة ” فاخرج بتفكيرك من الصندوق الكلاسيكي القديم ..فالسمّ في الأكل والمسدس والسكين وغيرها من الأدوات التقليدية أصبحت اليوم ذكريات كما إنها طرق تم استهلاكها في سينما هوليود حتى بات من السهل اكتشافها.   

الجديد فى 2020 أن تصطحب زوجتك فى رحلة 7 نجوم لباريس وتحجز لها جناحا لأسبوع في الفندق المراياتي لتحقق هدفك بلا دمّ ولا صراخ . خلاص ناعم وهادىء .لن يحملك أحد المسئولية.. فالجريمة طبيعية .. ستخرج منها حتما زى الشعرة من العجين .  العرض حصري للرجالة ..  اقرأوا الحكاية

 في شارع الشانزلزيه وعلى بعد أمتار قليلة من قوس النصر ووسط المحلات ذات العلامات التجارية الراقية يقع هذا الفندق صاحب السبعة الآف مراية والذي يتيح للنزلاء رؤية أنفسهم سبعة الآف مرة فى الساعة الواحدة .

 كان قدري أن أقيم في هذا الفندق لأربعة أيام ذقت فيها العذاب بكل ما تحمله الكلمة من معني حتى إنني راجعت الطبيب النفسي لستة أشهر ولاتزال تداعيات الإقامة بالفندق تصيبني من فترة لأخرى.  أجرى فى الشارع ليلا .. ألعب كورة فوق السطح .. أركب أتوبيس وأسافر وأنا سايبه الرز على النار.. أروح الشغل يوم الجمعة الحقيقية وأغيب بقيّة الأسبوع وأفتكر إنها جمعة برضه.

دخلت غرفتي رقم 112 فإذ بجدرانها الأربعة مرايات . إذا نمت رأيت نفسي وإذا تحركت تحركت معي واحدة شبهي وإذا خرجت خرجت برفقتي نفس الست مرتدية فستاني .

كنت سعيدة بهذه الحالة البانورامية الغريبة في اليوم الأول حتى إذا ماجاء اليوم الثاني والثالث بدأت أملّ الحكاية وفي الرابع انتابني فضول وشوق لتحطيم الجدران الأربعة بل لا أبالغ إذا قلت:أنني كرهت السيدة التي تمشي معي وتلاحقني بشكل لصيق كملاحقة الظل .. حالة من الدوار استشعرتها في الفندق الراقي جدا في شكله .. المجنون بنزلائه.

نزلت إلى الريسبشن لألتقي الموظفة وأسألها عن العبقري الذي فكر فكرة استبدال الجدران بالمرايات ؟ قالت: مستر كومان فيتس فقلت: ولماذا يعذبنا فيتس داخل الفندق بهذه الصورة؟ فابتسمت وقالت :أن وراء المرايات قصة جميلة حيث لم يجد مستر كومان – حسبما سمعت – طريقة ناعمة للخلاص من زوجته إلا بتركيب المرايات بطول وعرض غرفة نومه .

أسبوع واحد فقط وكان مصير زوجته الجنون ومن بعد الانتحار. كانت تجري وراء نفسها وتضرب نفسها بالحذاء ثم تندم على ماقامت به وتقبل نفسها قبلة طويلة في المرايه ثم تنام تطلع لسانها لنفسها وتضحك بصوت عالي جدا .

وعن النزلاء قالت: نسبة الإشغال فى الفندق تخطت المتوقع والحجوزات مكتملة لتسعة أشهر . زوارنا شعراء وأدباء وفنانون وأثرياء يحتاجون لأيام يتكلمون فيها مع أنفسهم بصراحة..كل واحد يلعب مع نفسه ويشرب القهوة والشاى. ينهون مشاكلهم بهدوء دون وجود ثالث .

مشاكل كثيرة تفاقمت فى الغرف وأخرى تم حلها أمام المراية بالتفاهم ..فمنذ أسبوع أقدم نزيل على ضرب المراية بالنار لأنه اختلف مع نفسه على (نقود) فيما قدمت سيدة بلاغا للشرطة لأن نفسها سرقت فستانها وهى تريد أن تخرج به . وسيدة أخرى كانت ” غيورة ” جدا على جوزها وطلبت الطلاق لأن واحدة ست تانية نايمه معاه فى المراية .ونزيل قضي أسبوع يسابق نفسه أمام الغرفة ويوصل هو وهيه فى نفس اللحظة للنهاية .. أسبوع كامل بيجري والاتنين يوصلوا مع بعض والنتيجة ” تعادل ”  هذا بخلاف مانسمعه من صرخات وتكسير للحوائط وما نشهده من حالات انتحار.

لم أعد أطيق خرافات الموظفة التي تسوّق للفندق بطريقة عجائبية وقلت لها : مستر فيتس مجرم وقاتل قالت: أبدا فيتس انسان رومانسي رقيق المشاعر. ابتكر أجمل فكرة في الوجود .ابتكر فندق مبيكدبش . إحنا مش عايزين مرايات تقدمنا بشكلنا الطبيعي ..عايزين مرايات تقبل رشوة .تحوّل الأسود لأبيض وصاحبة الشعر الخشن لعروسة بشعر أصفر  .عايزين مرايات تغير الطباع وتخلى الضعيف بطل والحرامي شريف .. عايزين مرايات تفصيل .. يا صديقتي أحنا بنحب الكذب والكذابين . جميل أنك تكلمي نفسك قدام المراية . جميل أنك تختلفي معاها وتناقشيها . جميل أن تسأليها وتسألك .. والأجمل من كل ده إنك تحبيها زى ماهيه.

 أربعة أيام فقط ولم أحتمل . كرهت فيها الشانزلزيه رغم جماله وكرهت غادة اللي بتاكل وتشرب وتخرج وتنام وتلعب وتتحرك معايا 24 ساعة في اليوم .

حملت حقيبيتي بحثا عن فندق آخر. فندق ليس فيه كومان فيتس صاحب التجربة الناعمة . تجربة الموت بلاسكين ولا طلقة رصاص . تجربة الانتحار بالمرايات

****

 المراية اختراع مبيقبلش الرشوة . لايمكن تجبرها تغيّر ملامحك وطباعك عند الغضب ..ولا تعطيك إبتسامة اضافية عند الفرح .

المراية –  زى ما قالت الموظفة  – مبتخليش الحرامي شريف ولا الضعيف بطل .

المراية بتحبك أنت لو أنت بتحب نفسك .. هى دى الحكاية .

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق