جميلة بلا رتوش ولا مساحيق

يوميات سعود العيد

كاتب صحفي

سعادة طاغية تملكتني وأنا أطل على مصر من نافذة الطائرة وفرحة لم استشعرها من قبل وأنا أخطو داخل المطار تأهبا لرؤية شوارع المحروسة   المكتظة بالبشر. ومع السعادة والفرحة كان الفضول والرغبة المُلحة  لكشف سر الحكايات المتناقضة التى يرويها السعوديون عن مصر والتى تتباين بين الكرم والفكاهة والفهلوة والضحك على الدقون .

اتفضل يا شيخ .. عبارة عنكبوتية جذبتني إلى سائق التاكسي البسيط عمّ اسماعيل.. فكلمة الشيخ لا تُطلق فى بلادى إلا على الوجهاء . لا أنكر أن العبارة مست داخلى وتر الزهو  والغرور حتى شعرت – داخليا – اننى واحد من الأثرياء الكبار .اقتربت من الرجل العجوز فاذ به يقدم لي النصيحة بصوت خافت ” لا تركب ليموزين المطار فسيارتي على بعد خطوات من البوابة.. واللى تدفعه يا بيه ” ورغم كل التحذيرات التى قدمها لى من سبقوني لزيارة مصر من عدم الالتفات لسائقي التاكسي المتناثرين على  بوابات المطار إلا أن تقاسيم وجه عمّ اسماعيل الطيبة وابتسامته الحُلوه جعلتني أسير وراءه مسلوب الإرادة  وبلا تردد  وعند وصولنا للسيارة وجدتها وقد تزيّنت بآثار الحوادث والصدمات كما انها بلا تكييف ولابوري  هذا بخلاف كونها بمصباح واحد يقوم بدوره نيابة عن الأربع مصابيح الأمامية والخلفية . سألته بابتسامه فقال : هنعمل إيه ياشيخ . الحياة بقت صعبة “

ركبت السياره العجيبة  ليبدأ عمّ اسماعيل مسلسل الحكايات . تحدث معي عن كل شىء وأى شىء بدءا بالعلاقات السعودية المصرية  منتهيا بعلاقته الخاصة بزوجته فى البيت وما بينهما قصص عن الخضار والمعمار والثورة وحسنى مبارك  ومصاريف المدارس وشقاوة العيال .ورغم انى بطبيعتي انسان هادىء الطبع الا أن حكايات عم اسماعيل الكثيرة وسيارته البطيئة استفزتني وأوصلتني الى التفكير للقفز من المركبة وانهاء حياتي كلها على أرض المحروسة .. تمالكت أعصابي و طالبته بالصمت قليلا حتى أتمكن من رؤية جمال القاهرة ليلا ولكن عبثا فعم اسماعيل يربط القصص ببعضها ربطا غريبا فى محاولة جادة منه لإرضائي واستدعاء ابتسامتي.

ومع صبري على الرجل العجوز إذ به ينعطف بحديثه منعطفا آخر ليشاركني فى اختيار الفندق ومواقع الزيارة ويطالبنى أن يكون برفقتي طوال الأيام الثلاثة التى سأقضيها بمصر . أومأت له بالموافقة – خجلا –  راضيا بعذاب المركبة مجهولة الموديل .

 وصلنا  فندق هيلتون القاهرة فى 3 ساعات تجرعت خلاله كل أشكال المعاناة . فالطريق أمامنا غير واضح بأمر المصباح الواحد . كما العرق يتصبب منى ليلا على غير العادة  هذا بخلاف الألم التى مس رأسي من  حكايات الـ 3 ساعات مع السائق العجوز ..عند باب الفندق حملت حقيبتي وودعته بسلام فإذ به يلوح من النافذة مؤكدا بأنه سيكون فى انتظاري  صباحا فى ذات المكان  .

ذهبت مع العم اسماعيل للأهرامات والمتحف  والقناطر والقلعة وتناولنا معا الغداء بحىّ الحسين الشعبي وقاسمنى الجلسة لساعات على مقهى بسيط بشارع  فيصل . كنت أتابعه وهو يتحدث وكأننى أقرأ طبائع شعب كامل فى عيون هذا الرجل . تعمدت التأخير عن دفع حساب المقهى فإذ به يبادر مسرعا لدفع الحساب بدلا مني . تركت خمسمائه دولار مكان جلستي بالسيارة لأرى كيف يتعامل معها فإذ به يعيدها لي صباحا . ومع كل ما ذكرت يأتى دفاعه المستميت عني اذا شعر أن أحد الباعة يريد ابتزازي رافعا سعر الهدايا  التى أريد شراءها .

اللافت والمُدهش يتمثل أيضا في الدعوة الخاصة التى وجهها لي لتناول الغداء في بيته ورؤية أولاده ..واقفت وذهبت لبيته فى حارة بسيطة بحىّ الشرابية .فاذ بالزوجة والاطفال يركضون ترحابا بالشيخ السعودي  ويسارعون في تقديم صنوف الطعام  البسيط على ” الطبليّة الخشبية “

خرجت من حى الشرابية لأسأل نفسي : ماذا ربح هذا السائق منى وأنا لم تمتد يدى حتى اللحظة لإكرامه  ولماذا يدفع حساب المقهى وينفق الكثير من أجل استضافتى داخل منزله ؟  وما هو العائد الذى جنّاه وهو يقدم لي مصر كلها فى هذه الصورة الورديّة الجميلة ؟ ومن علّم العجوز صاحب الخمسين عاما أو ما يزيد فنون السياحة ؟

 فى اليوم الأخير جهزت مبلغا كبيرا فى مظروف لأمنحه للسائق وانا أغادر البلاد  وعند بوابة المغادرة رأيته يمنحنى  هو حقيبة خاصة  مليئة ببعض من الخير المصري ذى النكهة الفريدة  مؤكدا انها من زوجته  لأولادي . نظرت اليه مبتسما  وقلت فى نفسي : جميلة يا مصر بهولاء البسطاء الذين لا يملكون فى جيوبهم مالا ولكنهم يملكون قلوبا ذهبية لاتشترى بالمال .   

3 أيام عشتها  بين أحضان المحروسة رأيت نيلها وأهراماتها  وسرت فى شوارعها وحاراتها وجلست على مقاهيها ذات المقاعد الخشبية  . ثلاثة أيام شاهدت فيه الوطن الجميل بلا رتوش ولا مساحيق ألوان .. أقمت فى الفندق الفاخر واستطعمت الغذاء على طبلية الخشب .

صدقوني مصر جميلة الوجه والقلب .. زوروها الآن  وفتشوا بين سائقي المطار على رجل عجوز طيب الملامح .. لا تستكبروا الركوب معه فى السيارة ذات المصباح الواحد .. فمن نافذتها ستعرف من هى مصر ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق