تقارير سياحيةمن هنا وهناك

شهادة في ضيافة بيت وأخلاق رجال   

بوردنج – خاص

بعد تجربة ثمانية عشر عاما من العمل في مؤسسة المدينة للصحافة والنشر- أرقي البيوت الصحفية العربية – يبقى لزاما علىّ أن أكتب شهادة إنصاف ووثيقة عرفان في حق بيت ورجال وكيان . أكتب عن البيت الصحفي الذي عشت فيه وسط سعوديين لا رُتبة لهم في عيني إلا رُتبة الأهل .. أكتب عن وحشة الاغتراب التي ذابت في هذا المكان حتى شعرت بحق وكأنني ابن البلد . أكتب عن الرموز والقيادات التي تعلمت منها جمال الخُلق قبل المهنة والأدب قبل إبداع الكلمة ..أكتب بعدما تركت المكان حتى تكون شهادتي بعيدة عن التزلّف والرياء ورغبات الصعود على سُلّم النفاق.

  • بداية أنا لم آت من مؤسسة أخبار اليوم بمصر لمؤسسة المدينة السعودية حاملا حقيبة الخبرة والعلم والتفوق الصحفي بل جئتها صحفيا مٌجتهدا لايملك إلا الطموح والرغبة وكثير من الإصرار. ومع بساطة الأدوات التي أمتلكتها عند وصولي لمؤسسة المدينة كانت الغنيمة وأنا خارج منها حاملا مفتاح مغارة الذهب – كما يقولون – تعلّمت في المدينة السعودية أكثر مما علّمت. أثريت خبراتي المهنية على يد سعوديين كبار يملكون القدرة على صناعة الأفكار وتقديم عمل صحفي يكسر سقف الإبداع. تعلمت من أساتذتي عبد الله العمري ومحمد محجوب ومحمد الزهراني ما لم أتعلمه في سنوات عمري المهني كله .. ولأن للأستاذ الحق على تلميذه ..هاأنا أعترف – بلا خجل – أنني جئت كي أٌعلم جيلا فتعلّمت على يدّ أعظم جيل.
  • لا أنكر إنني كنت الصحفي ” المُدلل ” في جريدة المدينة لم يٌرفض لي طيلة ثمانية عشرعاما مطلب واحد بل لا أبالغ إذا قلت: أنه كان يُقبل لي ما يُرفض لغيري .. وفي رأيي أن مرتبة الدلال التي حزتها لم تأتني من قبيل الهدية السعودية لصحفي مصري بل جزاء وفاقا لما قدمته من عمل نال الرضا والاستحسان. هذا هو الميزان الحصري والوحيد في بيت المدينة الصحفي ..لا شفاعة لك إلا العمل ولا وسيلة تقرّبك للقلوب الا العطاء والتفاني وجميل الأداء.
  • عشت في بيت المدينة أيام الأزمة والرخاء وساعات الضيق والسعة ومع تبدّل الأيام وتغيّرها تبقى المعادن كما هي بنفس جمالها وبريقها .. صداقات فزت بها تمثل في نظري فاكهة رحلة الاغتراب وأغلى جوائزها .. محمد مصلح الغامدي وأحمد الثقفي وعادل قربان وماجد بخش وخليل قريبي والناشري والرفاعي وغيرهم نماذج سعودية قاسمتني رحلة الثمانية عشر عاما في بيت المدينة مزجوا خلالها بين معاني الصداقة والضيافة والحفاوة والوفاء ووقفات الرجال. شاركوني في الفرحة والأزمة ..بدّلوا مفردة الغريب التي تلاحق الوافد إلى الصديق والأخ والحبيب.
  • بيت المدينة يختلف عن سائر البيوت الصحفيّة في نسائم الحب والألفة وروح العلاقات السمحة.يختلف في الالتفاف وحالة القرب بين الجميع. وفي رأيي أن هذه الحالة الحصريّة تمثل كلمة سرّ الإبداع المهني. فالكل يعمل في أجواء محفزة لصناعة أجمل كلمة وأروع صورة حتى عمال الشاي البسطاء انتقلوا في مؤسسة المدينة إلى مرتبة الشركاء في تأثيث بيت صحفي هو الأرقي والأجمل – عربيا – بكل المقاييس.
  •  مؤشرات القياس في بيت المدينة كحساسات المركبات. على بساطها يسهٌل اكتشاف الأكفاء والجهلاء أيضا. ومع الاكتشاف السريع تأتي الأخلاق لتبدّل الميزان .. الأيادي ترتعش عند التوقيع على فصل موظف وإبعاده حتى لو أساء مهنيا. الكل يصبر وينتظر حتى لو كان في الانتظار خسارة مال … كم هي المواقف التي عشتها قدمت فيها قيادات المدينة أجمل عنوان لإدارة المكان. عنوان إداري ليس فيه مطرقة وسندان بل أخلاق تحول دون قطع الأرزاق.
  • مع القيادات كانت الحكايات التي لا تٌنسي في تاريخي بدءا برئيس التحرير الخلوق د فهد عقران وانتهاء بالمدير العام محمد ثفيد الغامدي. هذان الرجلان جعلتهما خاتمة المقال إيمانا منى بجمال الخواتيم في كتابة السطر ومشوار العُمر وعند الرحيل أيضا .. لي مع الرجلين حكاية ليس لها عنوان إلا ” الرهان ” فكلاهما راهن علىّ في سباق المهنة. لا أنسي لرئيس التحرير يوم أن آتي بي من مصر إلى الجريدة مؤمنا بكفاءتي وظل مدافعا يرد عني كيد الحاقد والحاسد والغيور ويطلق علىّ من أوصاف الإبداع ما عطّر مسيرتي . ولا يغيب عن ذاكرتي يوم أن قطع المدير العام تذكرة سفر لمصر كي يستأذن اخبار اليوم إبقائي بالمدينة وتجديد إجازتي .لا أنسى لهما النصرة في كل أزمة والوقفة في كل ملمّة والدعم والقرب. لأ أنسى أدب الحوار والحفاوة وأناقة الاستقبال ..وفي الحقيقة أن رجلين بعطر الورد ومعدن الذهب كفيلان كي يبحرا بسفينة المدينة مهما علا الموج إلى بر الأمان .

يعز علىّ أن أفارق حقا أرقي البيوت الصحفية ويعز على أكثر أن أبتعد عن مكتبي ومكاني وفنجان القهوة الذي لم يفارقني مذاقه حتى الآن .. يعز على ّ أن ابتعد عن الرفقة والأحبة ولكنها الحياة .. هذه شهادتي عن أيام ورجال وأغلى كيان.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق