بروفايلمن هنا وهناك

دربك يكتب : طفلة الصيف . معشوقة الشتاء

 

بروفايل : جمال دربك

نائب رئيس التحرير

الإسكندرية هي عروس المصايف.. هكذا يعرفها الناس.. ولكن الكثيرين لا يعرفون أنها أيضا عروس المشاتي بامتياز. فالاسكندرية التي تمرح كطفلة مشاكسة على شاطئ البحر صيفا فتجذب إليها المصطافين وعشاق الحياة من كل مكان، غير تلك المدينة الشتوية الشجية التي تبدو كفتاةٍ تتهادى في معطفها الشتوى بين دروبها ذات السمت الأوروبي القديم، و”ترابها الزعفران” كما يحب المصريون أن يدللوها.

فمن يعرف اسكندرية صيفا غير من يعرفها شتاءً، بل من يعرفها نهارا غير من تنفس عبقها ليلا.. فاسكندرية تتلألأ كالماسة ذات الألف وجه، لا يدرك من يعشقها بأي وجه سيلقاها.

الأسكندرية مدينة المدن في حوض البحر المتوسط، وقبلة الأوروبيين بكل أعراقهم عبر التاريخ، وإحدى أجمل عرائس المتوسط، التي تحمل من كل منها ملمحا خاصا يكسبها جمالا، ليس كمثله جمال.

وللشتاء في اسكندرية بهاء أسطوري، لا يكتشف أسراره سوى عاشق قديم. فشتاؤها الدفيء بالشجن، يبلله المساء بالضوء والمطر.. وتؤنسه حكايات السُمّار على مقاهي بحري، وشرود الصيادين في رسائل الموج الغامضة. فالبحر يداعب وجه الأسكندرية كل مساء، عندما ينسحب الليل كوشاح أسود فوق كتفها المرمري، فتأسر قلوب مريديها الذين يعشقون وجهها الشتوي، فيمضون إليها متدثرين بمعاطف الشوق والشجن والذكريات.

فما من عاشق للإسكندرية إلا ويحمل صورا لشوارعها ومعالمها الأصيلة.. فمن يسير في شارع فؤاد لن تنسى مخيلته واجهة سينما “ريو” ومقهى “باسترودس” القديم ومسرح سيد درويش الذي بات اليوم أوبرا الإسكندرية. ولن ينسى محلات التحف والجاليري قبل أن ينحرف يمينا نحو شارع النبي دانيال، حيث قِبلة المثقفين وعشاق القراءة والكتب القديمة.

ومن النبي دانيال إلى شارع سعد زغلول بطابعه المميز، حيث تصخب رائحة البن من “سفيانوبولو”، ذاك المحل اليوناني العتيق، وحيث ملامح من فخامة حي شهد تاريخا مَرَّ من هناك، ليترك أثرا لا تخطئه عين، ولا ينساه وجدان.

فمن ميدان محطة الرمل يمينا، إلى ميدان المنشية يسارا، تبدو الشوارع الجانبية البازلتية، والمحلات ذات الأنشطة المتعددة، والتي مازال يحمل بعضها سَمْته الأوروبي العريق. تبدو تلك الشوارع المتعرجة وهي تمضي في صمت نحو البحر، كوجه بحار قديم أنهكه الترحال والسفر، بينما يحتفظ بعطر مسحور أهدته له فتاته في المواني البعيدة، فظل عبقه يفوح في الدروب وجدران البيوت الفخيمة، التي عشقها يود البحر، وأودعتها السنين أسرار التاريخ والأحداث.

ففندق سيسيل، الذي أكمل عامه التسعين، مازال بكامل بهائه وعراقته في مواجهة البحر وتمثال سعد زغلول، يحتفظ بأسرار من ضايفهم من كبار شخصيات العالم والتاريخ؛ الرئيس محمد نجيب، ونستون تشرشل، مونتجمري، الملك فيصل بن عبدالعزيز، أجاثا كريستي، ألفيس بريسلي، نجيب محفوظ، طه حسين، أم كلثوم.. وغيرهم العشرات.

ومقاهي “تريانون” و”أتينيوس” و”ديليس” و”سانتا لوتشيا” و”إيليت” مازالت جميعها تحمل بين أركانها الأرستقراطية ذكريات من حكايات العشاق الذين تهامسوا على طاولاتها بعبارات الحب والأسرار، وتحفظ أنفاس كبار الكتّاب والأدباء في العالم، الذين كتبوا أعمالا شهيرة على طاولاتها، وبحوارات سياسيين وفنانين، وبأحاديث مرتادين وعابرين من سكان تلك المدينة العريقة، تعددت ألسنتهم ولغاتهم في كثير من الأزمنة، ولكنهم توحدوا في عشق الإسكندرية، التي شغفتهم حبا وولعا فتركوا بلادهم واستوطنوها منذ عشرات السنين؛ من اليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا ومالطا وأرمينيا، فأصبحوا يعرّفون أنفسهم بجنسياتهم، مقدمين عليها كلمة “اسكندراني”، ليتحول هذا اللقب إلى هوية خاصة يعشقونها وينتمون إليها.

فهذا “اسكندراني يوناني” وذاك اسكندراني طلياني أو أرماني أو فرنسي  وجميعهم يتحدثون العربية بلكنة سكندرية، ومُسْحة “خواجاتي”. ويعيشون فيها وطنا منذ زمن الأجداد، فحتى إذا زاروا بلادهم الأخرى بضعة أيام أو أسابيع، جاءوا إليها بشوق العائدين إلى الوطن.

إنها الإسكندرية الفخيمة التي استوطنها أفلاطون وأرشميدس وأبولونيوس وبطليموس وجالينيوس ورامبو.. وأنجبت عمر الشريف ويوسف شاهين وديميس روسوس وجورج موستاكي.

وهي الإسكندرية الشعبية في بحري والأنفوشي وكوم الدكة، حيث المقاهي البسيطة والسكان الطيبون، وعراقة ماضي مازال الفن يتجول في طرقاته، مترنما بأغاني سيد درويش، وسلامة حجازي، ومن بعدهما أجيال من المبدعين.. كما تتجول حكايات المقاومة الوطنية ضد المحتلين في أزمنة الاستعمار المنسحقة، مرددة أشعار بيرم التونسي وعبدالله النديم.

إنها إسكندرية البر والبحر والناس.. اسكندرية التاريخ والجغرافيا والخصوصية الفريدة.

“اسكندرية مَريّة وترابها زعفران”.. وهكذا يدللها أهل مصر منذ القدم، نظرا لخيرها وبهائها.

فعلى الرغم من أن 50 مدينة في العالم تحمل نفس الاسم تشبّها أو تيمّنا أو مصادفة.. تبقى اسكندرية مصر.. عروس البحر المتوسط، وهي الأشهر والأعرق والأعظم.. فهي أول مدينة “كوزموبوليتانية” في التاريخ، صهرت في بوتقتها المصرية الأصيلة العديد من الأعراق والثقافات، لتصبح ذاك المكان ذا الهوية المتفردة بتاريخها وسكانها وثقافتها وحضورها البهي، الذي أسر عقول وقلوب محبيها من الفنانين والكتّاب والأدباء والشعراء، فأبدعوا فيها ومنها وعنها العديد من الأعمال والمقطوعات واللوحات والروايات والقصائد.

إنها اسكندرية التي عشقها العالم.. وهي عشقت البحرَ.. والبحرُ عشقَ النوارسَ والشطآنِ البعيدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق