جولات سياحية

سجن الكتراز ..لاشىء أجمل من السياحة

بوردنج ـ أحمد يوسف

على مقعد الطائرة التى أقلتني الى أمريكا جمعتني الصدفة بمسافر مغربي الجنسية . كنت سعيدا بهذا الجوار مستمتعا بحديثه الشيق متعجبا فى ذات الوقت من إطرائه اللا محدود على الحياة بأمريكا حتى ظننت انه فاز بجنسية هذا البلد ولكنه عاد ليؤكد لى انه يعمل فى سان فرانسيكو منذ 10 سنوات . وانه لم يجد – رغم كثرة اسفاره مكانا يريح النفس ويسعد القلب أكثر من هذه المقاطعة .. تجاذبنا سويا الحديث وسألته عن الأماكن التى أزورها وقتما أحل ضيفا على سان فرانسيسكو فداهمني بإجابته قائلا: السجن .

توقفت قليلا وحسبته يمازحني فإذ به يعيد الكلمة على مسامعي مرتين. ثم قال: السجن اجمل ما في سان فرانسيسكو كلها , لا يغرنك الطبيعة الساحرة ولا الناطحات التى تداعب صفحة السحاب بل اذهب الى السجن وكن مطمئنا فالبوابة مفتوحة والزنازين كذلك كما الجلاد غائب ولن يعود . اذهب لتملأ الذاكرة بأغرب قصص الحياة ولتعرف انه لاشيء فى الدنيا أجمل من الحرية .

هبطت الطائرة وأصر جاري على المقعد أن اذهب معه الى المقاطعة لتكن فرانسيسكو هى البداية والسجن هو المحطة الأولى . وافقت وركبنا من مطار نيويورك طائرة أخرى حتى وصلنا الى سان فرانسيسكو أو الجنة كما وصفها المغربي . الغريب أن صديق الطائرة لم يحتفى بي كما كنت اظن ولم يدعونى لتناول الطعام فى منزله بل ودعني عقب خروجنا من المطار تاركا لى فقط رقم هاتفه . وقال إلى لقاء .

بدأت أفكر اين اذهب فى هذه المقاطعة الجميلة المرسومة بريشة رسام وقررت أخيرا فى الذهاب الى السجن .
دخلت سجن الكتراز وأنا أتقدم خطوة وأتراجع أخرى . فذكريات المكان الموحش لازالت تسيطر على دواخلي ..كنت أطالع المكان بعين الدهشة وأتخيل العذاب الذى تجرعه حبيسوهذا المكان بل لا أبالغ إذا قلت : اننى كنت أسمع – رغم مرور السنوات – صدى صوت صرخات المحبوسين وكأنها تعلو الآن . ومع كل مارأيت استفزني موقع الجزيرة المطل على خليج ساحر و مدينة ذات أضواء لاتنطفىء وأدهشني أيضا طير النورس البحرى الذى يحوم بدلال حول المكان . كنت أسأل نفسي من يا تُرى اختار هذا المكان شديد الروعة والجمال ليكون سجنا بسور وقضبان ؟

السجن – الذى يبعد مسافة ليست بعيدة عن أضواء أجمل مدن العالم – أمنته الطبيعة بطريقة يعجز عن صناعتها الانسان حيث يبدو على ارتفاع شاهق فوق صخرة على جزيرة محاطة بمياه الخليج الباردة جدا وتياراتها الخطرة التى تحوى عددا مهولا من أسماك القرش .ومع التأمين الطبيعي للسجن جاءت الحراسة المشددة من خلال 6 أبراج تمسح الجزيرة والخليج كله ليل نهار و 90 حارسا من القساة غلاظ القلب لا يتأثرون بصرخة سجين ولا يهتزون أمام مظلمة حبيس. كل هذه المقومات جعلت فكرة الهروب من الكتراز – إن جاز التعبير من مستحيلات الحياة

دخلت ليستقبلني مرشد السجن أو المزار الأثري الحالي ليروى لنا حكاية المكان . كان ينظر اليّ كثيرا وهو يتحدث لإحساسه بخوفي وشفقته علىّ من العرق المتصبب من جبيني وأنا أطل على الجدران والأسرّة التى تركت على حالها حتى اللحظة. ابتسم لى مرارا وكأنه يبث لي رسالة اطمئنان بأن الأيام العصيبة ولّت و أصبحت اليوم ذكريات .
دعانا المرشد لجولة داخل الزنزانات « المفتوحة « والتى تحمل جدرانها الصلدة بعضا من خطوط السجناء ورسوماتهم وبدا يعرّف الأماكن بأسماء سكانها الذين عاشوا فيها وربما ماتوا داخلها ايضا . كان يمر بنا بين طرقات السجن الرهيب ويعيد بإبداع شديد تمثيل الأحداث الهامة التي جرت داخل المكان حتى تحولنا معه – دون أن ندري – من زوار الى مساجين نسمع لحديثه بلا تعقيب .
أدخلنا المرشد غرف الفحص الطبي للسجناء وأماكن تبديل ملابسهم ومن بعد الزنزانات التى نزل فيها أعتى المجرمين وقدم لنا صورا لهم وتسجيل صوتي للتحقيق معهم بل منحنى أنا خاصة – دون غيري- فرصة النوم على سرير فرانك موريس أحد المجرمين العتاة .. توسدت السرير حافظ أبشع الذكريات وبدأت اسمع للمرشد بأذان مصغية .

وقال فى سجن الكتراز 378 زنزانة منها 42 فقط خاصة بالحبس الإنفرادى أما عدد نزلاء هذا السجن فلقد بلغوا 1545 سجينا . مات 15 منهم ميتة طبيعية أثناء تنفيذ مدة العقوبة فيما انتحر 5 وقتل 8 على يد زملائهم من المساجين وحاول 36 سجينا الهرب في 14 مغامرة منفصلة، نتج عنها فقدان 5 وقتل ثمانية عند الهروب وإعدام 2 لأنهم حاولوا الهروب وأكمل الكتراز كان يعلم السجناء الانضباط والالتزام الجبري . فكل أحلام الهرب وأمانى الحرية تموت داخله كما أن السجن يخلق حالة من الاحباط لايمكن لى وصفها . فما أصعب أن تكون حبيسا على بعد كيلو مترات من مدينة صاخبة لا تعرف النوم وأضاف أن هذا المكان الذى تتجولون داخله بأريحية عاش داخله أعتى مجرمي العالم مثل آل كابوني و جورج كيللى و روبرت ستراود  وغيرهم من نجوم عالم الإجرام وعلى الرغم من عتامة الأمل فى المكان الا ان هناك كثيرين حاولوا الهروب وباءت كل المحاولات بالفشل إلا محاولة فاشلة لا تزال أحداثها تحيّر الكثيرين خاصة وان مصيرهم مازال فى كتاب التاريخ مجهولا .

حيث اتفق 4 مساجين على الهرب بقيادة فرانك موريس الذى تجلس على سريره الآن  ومعه شقيقان وقاموا بإبداع لامتناه بصناعة رؤوس بشرية مزيفة ووضعوها على الوسائد في أسرتهم للتمويه ثم تسللوا من خلال فتحات التهوية بالسجن ووصلوا أخيرا لمياه الخليج الا انهم لم يظهروا بعد ذلك ولم يعثر على جثثهم حتى اليوم . حتى الجهات الأمنية أوعزت موتهم للغرق تيارات الخليج العنيفة.

السجن الواقع فى قلب سان فرانسيسكو و الذى جئتموه فى رحلة على متن « معدية « وعيونكم ترصد معلما سياحيا جميلا لم يكن أمسه مثل يومه فقد جمع بالأمس كل معانى القسوة والحرمان واليوم يحمل كل دلالات الفرح والانطلاق .. نعم لقد جئتم اليوم الى الكتراز ليس لأنكم خالفتم القانون بل لأنكم تحبون الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى