حكايات PDF

شاهد على دماء السندريللا

حكاية : محررة بوردنج

لو سألتموني عن التشاؤم والتفاؤل ومدى اعتقادى فى هذه الأشياء أجيبكم نعم : فأنا أسيرة لهذه المعتقدات . أتفاءل برنين هاتف ولون فستان وصوت عصفور وملامح طفل أطالعه صباحا . أشعر بجمال اليوم من بداياته والعكس . هكذا هى حياتي تُزهر كورود البساتين متى تفاءلت وتنطفىء كنور المصباح اذا سيطرت علىّ الهواجس المخيفة . ولأنى عاشقة للسفر ينقبض قلبي من تذكرة الذهاب .أكرهها مالم تتزاوج مع أخرى بميعاد العودة . كما   أشعر بذات الخوف إذا سافر غيري بتذكرة واحدة . لحظتها ينتابنى شعور بأننى لن أراه ثانية .. لذا استوقفه كثيرا وأطيل النظر فى ملامحه وأسعى جاهدة لتوديعه وكأنه مسافر ولن يعود .ومع إيمانى الكامل بقدريّة الأشياء إلا اننى أعترف بعدم قدرتي على التخلص من هاجس تذكرة الـ one way  الذى يتملكني ويخيفي.

منذ 5 سنوات مضت سافرت إلى لندن وأقمت فى بناية بشارع العرب لقرابة الأسبوعين .وكان من المدهش والمٌشبع لي مهنيا إنها بناية تقع على بعد خطوات معدودة  من برج ستيوارت تاور الشهير والمثير فى آن واحد .. كنت صحفية مبتدئة أراسل بعض الصحف والمجلات العربية والأجنبية. ورغم بداياتى الخجولة فى بلاط صاحبة الجلالة إلا أشهد لذاتي بمزايا لا ينافسني فيها أشهر صحفيي العالم أبرزها الفضول ورغبة الاكتشاف المتوقدة و النظر الى الحدث من زوايا لا يكترث بها الغير الأمر الذى يجعل تقاريري وتحقيقاتي بعيدة عن سرب المألوف والمعتاد . فاذا رأيت جريمة لا أتوقف طويلا أمام السكين والدم وبشاعة القاتل ومسرح الحادث بل اراقب رداء القتيل وأزرار قميصه وشكل الساعة التى يرتديها  .اتابع  نافذة المكان ونوع السجادة الممتدة على الأرض وأسأل عن أشياء يراها الناس بسيطة فيما أراها أنا فقط مثيرة  مفجّرة لإبداعاتي كصحفية  .

فى تمام الساعة التاسعة مساء بتوقيت لندن نزلت لأطل على البرج الشاهق ستيوارت تاور الذى اكتسب شهرته من تكرار جرائم المنتحرين من شرفاته . إطلالة هادئة على نوافذ الطوابق الشاهدة على أبشع سيناريوهات الموت . كنت أبحث عن إجابة شافية لأسئلة شديدة الغرابة . عن آخر فستان ارتده السندريللا قبل الموت والذى تحوّل فى لحظات من رداء لكفن وعن آخر وجبة غداء وآخر مكالمة هاتفية استقبلتها .كنت اتمنى لو رأيت أثاث شقتها وسريرها وماحواه دولاب ملابسها . ولكن – ياللأسف – سنوات طويلة فصلت بين زيارتي لستيوارت تاور وحادثة انتحار الجميلة حتى الشخوص الذين عاينوا الحادثة القديمة لم أجد منهم أحدا يروى ظمأ سؤالي .

فى اليوم التاسع تفاءلت بوجه عجوز جالس بمقهى على قارعة شارع العرب . اقتربت منه وجلست بجواره لأستأنس بلكنته الانجليزيه الجميلة . سألته عن البرج وساكنيه فسألنى من أنا ؟ فقلت: صحفية مصرية فإذ به يذكر لي ضحايا البرج بالاسم وتاريخ الموت. ذكر لي أسماء أعرفها وأخرى لم يداعب تاريخها مسامعى . وقال: بصوت مرتعش أنا شاهد على رحيل كل هؤلاء . عاينت 5 حوادث على مدى 42 عاما  منها 3 لمصريين ماتوا بسيناريو متشابه وغابوا عن الدنيا بحبكة قصصية معقدة .

فرحت بجلسة العجوز فرحا كبيرا وتأهبت لأصنع  كتابا من ذاكرته المليئة بالحكايات . ولكن للأسف فالرجل لا يتكلم عن القاتل والمقتول والأسباب والدوافع والمتهم والمسئول ؟ لا ينشغل بما انشغلنا به –  نحن المصريين  – بل يكتفى بالقول :رأيت هؤلاء وكنت الشاهد على دماء الموت لكن لا أعرف لم الموت ولماذا البناية هذه دون غيرها محفّزة على الانتحار؟

حاولت استنطاقه علني أصل لجديد . سألته عن القواسم المشتركة بين المنتحرين الخمسة والطوابق التى سكنوها والمسافة بين الشرفة والاسفلت الخشن ومواقيت الموت صباحا كانت أو مساء ونوع الرداء الذى ماتوا به هل كانت ملابس نوم أم رداء خروج ونزهة  فأجابنى : الخمسة 3 رجال  وامرأتان . اثنان أقاما فى الطابق التاسع من ستيوارت تاور واثنان  فى السادس وواحدة فى السابع   كما المنتحرون لقوا حتفهم ما بين الثانية عشرة ظهرا والعاشرة مساء و جميعهم مات برداء أنيق .

واستطرد العجوز فى الحكايا قائلا: أول حادثة كانت في أوائل السبعينيات وآخر حادثة كانت  من 9 سنوات والرجال- حسبما اتذكر – جميعهم مشاهير أما السيدتان فواحدة لم تتجاوز الخمسة والعشرين والثانية  فنانة مصرية شهيرة لم أر ملامحها إلا يوم الرحيل ويقال انها كانت محبوبة فى مصر. لا تسألينى عن مجريات التحقيق فى القضايا الخمس فأنا لست ضابطا فقط أنا من مدمني هذا المقهي ورؤيتى للحوادث كانت بمحض الصدف الغريبة .

سجلت حديث العجوز في ذاكرتي ولكننى احسست انه لم يضف جديدا فالكل يعلم ما قاله ولكن ملأنى الإصرار لجلسة أخرى معه أتأهب فيها بأسئلة جديدة علّه يستفيق ويفجر لى  مفاجأة .عدت إليه فابتسم وكأنه تعوّد على وجودي بجواره . سألنى ماذا تريدى مني ايتها الجميلة ؟  فالحوادث قديمة والذاكرة تموت . كل ما اقوله لك أن ستيورات تاور مقبرة المشاهير لم ينتحر من شرفاتها أشخاص عاديون بل مميزون عاشوا ملء السمع والبصر وماتوا بأسرارهم  فلقد انتحر منها عسكريان وفنانة وعروسة جميلة وموسيقار شهير . لا أصدق من يقول انها جرائم قتل ومن ثم القاء من النوافذ فستياورت تاور بناية مؤمنة بالكاميرات ملغومة بالحراسات .

سألته عن القواسم المشتركة بين المنتحرين الخمسة  قال : لاقاسم بينهم إلا الشهرة والغموض . فنحن لا ندرى لماذا أقدم هؤلاء على هذه الفعلة ولماذا كرهوا الحياة الى هذا الحد ؟ فالعروسة ساكنة الطابق السابع كانت جميلة الى حد بعيد كما الموسيقار الألماني بلغت شهرته الآفاق حتى الفنانة المصرية – حسبما سمعت – كانت محبوبة فى مصر وله تاريخ يحفظه الجميع أما العسكريان فلقد اهتزت لهما الأوساط يوم الرحيل وكتبت عنهما الصحف لأسابيع وربما شهور .

عدت بالسؤال : هل لم تجد من مقتنيات الخمسة شيئا وأنت تعاين لحظة السقوط ؟ قال هناك أشياء كثيرة تناثرت حرزتها جهات التحقيق أبرزها ساعات اليد المهشمة وسلاسل العنق وبعض النقود الورقية أما انا فلا أتذكر إننى احتفظت بشىء  فلقد كنت وغيري حريصين على ترك كل شىء فى مكانه علّه يحمل فى باطنه دليل يكشف اللبس والغموض  .

وتنهد العجوز قائلا:  يا أيتها الجميلة أراك تبحثين عن حظك الصحفي وسط أكوام مبعثرة من الحكايات .. هذه هى البناية أمام عينيك  يسكنها كثيرون لم ينتحروا بعد .. ربما يفكرون الآن وينفذون غدا .. وها أنا جالس مكانى فى ذاكرتي 5 حكايات ربما تزيد ولكنها ابدا لن تنقص .

سأنتظرك فى نفس الشارع وعلى ذات المقهى المطلّ على البناية  وأعدك سأحفظ من أجلك كل ما يثير الفضول ويشبع عطش القلم والورق  . ولكن تبقى لى كلمة معك قبل الوداع ..  إياك أن تأتى لندن بتذكرة ذهاب . فالمنتحرون لم يقطعوا تذكرة عودة واكتفوا برحلة عمر كما تقولون فى مصر ” فردة واحدة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى