بروفايل

قمر الدولة: صدفة في سيارة أجرة

بروفايل : فاتن قمر الدولة

عشت حياتي كلها غير مؤمنة بقانون ” الصدفة ” لا تستهويني قصص الاكتشاف الخيالية التي يكتبها كثيرون، وأسخر من داخلي متى سمعت عن علاقات الحبّ التي بدأت بالصدفة وصنعت مسارها أياد خفيّة غير معلومة، ولكني اليوم بدّلت مناهجي وأدركت أن كنز الحياة قد ينتظرك حقا في مكان فيما تبحث عنه أنت لسنوات في مكان مختلف.

الكنز الذي أقصده ليس مالا كما يعتقد الأكثرية بل أغلى من المال بكثير. ربما كان الكنز صديقة تلتقيها في قطار أو صديق يجاورك في مقعد طائرة أو حكاية تسمعها في سيارة أجرة وأنت لا تدري أنها أجمل هديّة تقدمها الحياة إليك.

كثيرة هي الكنوز -صنيعة الصدفة -والتي تجاهلتها سنوات طويلة واليوم فقط عرفت قيمتها.

ففي سيارة أجرة وجدت السائق يتغنّي بمضامين كتاب كتبه أحد الصحفيين العرب ويدعونني لشرائه وقراءته، لم أتجاذب مع السائق أطراف الحديث وجلست بصمت في مقعدي الخلفي ولكنه عاد ليحكي حكاية الكتاب حتى حفظت -غصبا -اسم الكتاب وكاتبه،

بحثت عن الكتاب وقرأته لأجد بين سطوره إبداعا وتميّزا غريبا وكأن السطور تتسلل ببطء لتستقر داخلي ليس هذا فقط بل وجدتني أرى الكاتب نفسه مع كل كلمة يكتبها وكأنني أعرفه من زمن لإحساسه الراقي وقدرته غير العادية على رسم الكلمات باحترافية بالغة.

بحثت عن الكاتب فوجدت بيني وبينه مسافة وطن ،هاتفته لأهنأه على الإبداع وأطالبه بمزيد من الكتابات الأنيقة فإذ بي أراه رجلا متواضعا إلى حد كبير، مبتسما ضحوكا قريبا من القلب، لا يعرف التعالي ولا يتكلم بمفردة الأنا والغرور.

مكالمة هاتفية واحدة معه علمتني مناهج لم أتعلمها من قبل ، علمتني فن الاقتراب من البشر، علمتني أن نبرات الصوت الصادقة قد تتحول إلى مرآة ترى فيها من يُحدثك، علمتني أن البساطة أغلى معاني الحياة وأجمل رداء يرتديه الناجحون.

هذه هي الصدفة التي قدمتها لي السيارة الأجرة التي جلست على مقعدها دقائق معدودة , صدفة قدّمت لي كاتبا كالذهب  ،يكتب ليترك بصمة , يكتب ليقترب من كل قلب ووجدان.

صدقوني أنا لا أعرف الكاتب ولم أره ولو لمرة واحدة في حياتي، ولكن ما أصدقه السائق الذي عرفني بكتابه وما أجمله الهاتف الذي كشف لي عن خصاله وطباعه وملامحه أيضا.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى