من هنا وهناك

رسائل”مصطبة مصر”. تخاريف لا تموت

بوردنج – خاص

في مصر أساطير وخرافات وحكايات مصاطب تحوّلت مع الأيّام إلى حقائق تتوارثها الأجيال -جيلا بعد جيل -وليتها توقفت عند هذا الحدّ بل سافرت أيضا لتقدم للعرب أردأ انطباع عن محافظات مصر.. هذه هي حكايات المصاطب سافرت -شرقا وغربا-لتنسف الوجه الناجح والجميل للمدن المصرية وتقدّم صورا مغلوطة عن كل مدينة.

فالعرب -على اختلاف جنسياتهم -يتعاملون مع المصريين -وفقا لما صدّرته “المصطبة” لهم من سيرة -فيحبّون أهل الصعيد ويثقون بهم ثقة عمياء لأن المصطبة حكت عنهم خصال الشهامة والانتصار للحق والصبر وغيرها فيما يرون في أبناء الشرقية الكرم والطيبة متذكرين لهم أسطورة القطار الذي توقف فجأة فخرج الأهالي حاملين الموائد لضيافة ركابه. ويتحسّبون من أهل المنوفية استنادا لأكذوبة ” المنوفي لا يلوفي ولو أكلته لحم كتوفي ” ويتهيبون من البحيرة لحكاية ” الميت نوري ولا دمنهوري” ويبتعدون عن أهل السواحل بسبب الوجوه الكالحة ويختزلون المنصورة -متى سُئلوا عنها -في “بناتها حلوين” ويتحاكون بـ ” اتعشى وللا تنام خفيف ” تدليلا على بخل الدمايطة.

ولست أدري من الذي صنع هذه الخارطة الانطباعية الغريبة؟ وأي قطار هذا الذي جعل الشرقية مدينة كريمة إلى قيام الساعة ومن دمياط بخيلة التاريخ؟ وهل تستحق المنصورة أن نتناسى رموزها التي عطّرت الدنيا بعطر التألق والإبداع ونكتفي لها بعنوان “بناتها حلوين “. ومن هو النوري الذي يلاحق دمنهور ليهزم سيرتها من بدء الحياة لنهايتها؟

انطباعات المصطبة ملوّنة بألوان الكذب والسطحية. كلها خرافات سمعناها ولكن -للأسف -صدقناها وحولناها إلى قانون. نزن تعاملات الأشخاص من منظورها ونصدرها للعالم كي يرانا من خلال هذه المرآة المخدوشة.

أغرب ما في الأوصاف التي لاحقت المدن المصرية إنها ” أوصاف بسبعة أرواح ” ترفض أن تموت مع السنوات أو تخجل من تفاهتها فتدخل خندق النسيان.

أنا لا أنتصر لمدينة عن أخرى بل أفزعني تكرار هذه الأوصاف عن محافظات أنجبت رموزا وأخرى ٱبدعت وثالثة ساهمت بإنسانها في صناعة التاريخ.

أخلاقيات الإنسان هي القانون. وما حكته المصطبة ” كذب وافتراء” قطار الشرقية وموائد الركاب حكاية بلا دليل وبخل الدمايطة بلا توثيق واسطورة الميت نوري خرافة والوجوه الكالحة إكذوبة والمنصورة فيها الحلوة أوى وفيها الوحشة كمان.

***

وقتما تٌخطئ المصطبة من يحاسبها؟ وعندما يصيبنا موروثنا الشعبي بالوجع كيف نداويه؟ تعالوا نسأل أبو الهول .. هل ركب قطار الشرقية زي غيره واتعشى وللا بينام خفيف؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى