من هنا وهناك

دموع طبيعية تحوّل مٌبتعثة لنجمة سينما

بوردنج – خاص

من بين مئات الرسائل التي تردنا على بريد بوردنج السياحي كانت هذه الرسالة المُدهشة لمُبتعثة عاشت سنوات في ولاية سان فرانسيسكو حيث ترجمت بإبداع أصعب خمسة عشر دقيقة عاشتها في رحلة ابتعاثها قدمت فيها دموعا وصرخات طبيعية وما كانت تدري أنها تؤدي أصدق دور في فيلم عالمي يتم تجهيزه للعرض .  ماذا حكت المبتعثة ؟ .. اقرأوا الرسالة

*****

في تمام الواحدة بعد منتصف الليل وتحديدا لحظة صعودي للغرفة 112 بأحد فنادق سان فرانسيسكو وجدت طفلا جميلا لا يتجاوز الثماني سنوات يبكي بحرقة فى الممر المقابل لغرفتي . وضعت حقيبتي أمام الباب واقتربت منه لأمسح دموعه بيدي فإذ به يرتمي على صدري ويرتعش ارتعاشة غريبة..طمأنته وتحركت معه بحثا عن والديه وحاولت استنطاقه لمعرفة رقم غرفته ولكنه لم يرشدني إليها . سار معى الطفل خطوات معدودة وبدأت أسامره  وأداعبه بغية انتزاع الابتسامة منه حتى وصلنا المصعد ومن بعد أفلت من يدىّ وركض على السلم .

دخلت غرفتي فيما ظلت ملامح الطفل الجميل ودموعه ذات البريق تحفزني للبحث عنه من جديد . ولولا الإرهاق لركضت وراءه لأعرف سرّ بكائه . غيّرت ملابسي وتأهبت للنوم فإذ بصوت عال يقارب صوته .. قمت سريعا وفتحت الباب فإذ بالطفل رافعا يديه لأعلى فيما يقف أمامه رجل أسود ضخم الجثة شاهرا مسدسه في وجهه ويتحدث معه بلهجة غاضبة .

لم أتمالك نفسي من هول المشهد المخيف وركضت سريعا صوب الطفل لأحتضنه واستحلف حامل المسدس أن يهدأ ويتريث ولكنه زاد في صرخاته الغاضبة وطالبني بالابتعاد حتى شعرت انه فاقد العقل أو مخمور .

تحركت ناحيته بقدم تتقدم وأخرى تتراجع وحدثته بالإنجليزية الطليقة بعبارات عاطفية تحرّك الصخر ولكنه أبدا لم يهتز بل نهرني وألقى بي بقوة حتى اصطدمت بالجدار وسقطت على الأرض ومن بعد ركلني بالقدم .

تحرك الرجل الأسود خطوتين صوب الطفل وأطلق الرصاص ليردي الصغير قتيلا . بدأت أضرب بيدى على الجدار وأشد فى خصلات شعري وأصرخ صرخات عالية ثم حبوت نحو الصغير لأحتضنه حتى ملأت دمائه ملابسي . وفجأة وجدت جميع  الغرف تفتح أبوابها ويخرج منها رجال ونساء يصفقون .

التصفيق والثناء لم يردني لحالتي الطبيعية بل ظللت على خوفي حتى رأيت أحدهم يمسح الدماء من على صدر الطفل الصغير ليطل عليّ مبتسما . ليس هذا فقط بل رأيت القاتل الأسود قد أخذ مكانه بين الواقفين يشاركهم التصفيق لي .

الحكاية التي عشتها على مدى  15 دقيقة كانت أروع استثمار للصدفة قام بها مخرج أمريكي شديد الإبداع . لم يكن يعرف أنني سأصل فى هذه اللحظة ولكن ذهنة تفتق للفكرة المجنونة بمجرد دخولى المكان ليحولني – دون أن تدري – من نزيلة فندق إلى بطلة من أبطال الفيلم .

الغريب أن المشاهد على دمويتها لم تكن مفاجأة لكل نزلاء الفندق حيث تم استئذانهم فيما حضرت أنا لأكون الضحيّة التى لم تٌستأذن .

حالة الفزع التي عشتها فى الواحدة ليلا وركلة قدم الرجل الأسود والدم الذى أغرق ملابسي وبكائي وصرخاتي وخصلات شعري التي مزقتها بيدي . هى أجمل ذكريات 15 دقيقة في سان فرانسيسكو .. لاتسألوني على الفندق فكلما لاح اسمه أمامي لا أتذكر لها – فضلا – إلا البكاء  والصرخات والدم وركلة القدم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى