من هنا وهناك

حكايات في مدن سعودية (1)

بوردنج – خاص

فتحت البرنسيسة –  لأول مرة – صندوقها الوردي الذي يحوي داخله جواهر رحلاتها .. كان لها في كل عام رحلة لبلد واحد  .تتخير المدن بنفس طريقة انتقاء الجواهر والرداء .. تقرأ عن المدينة أولا ومن ثم تأتي لتقف على حقيقة ما قرأت ..هى رحّالة تفوقت في رصدها ورصيدها عما جمعه ابن بطوطة الذي ذاع صيته وانتشر دون أن يترك للعالم كتابا واحدا.

ومع عظيم ما جمعته البرنسيسة في فن أدب الرحلة يبقى الجديد متمثلا في رفضها الإبحار في عوالم جغرافيا المكان – حدودا وتعدادا –  قدر اهتمامها بتفاصيله المشوقة والتي تترك انطباعا في النفس لايمكن نسيانه .. بوردنج السياحية كان لها حظ الانفراد بنشر رحلات البرنسيسة  لـ 10 مدن سعودية في 90 يوما .. تعالوا نقرأ ماكتبت

الخميس

في تمام الساعة التاسعة ليلا  أعلن كابتن الطائرة اقترابنا من مطار الملك عبد العزيز بجدة .. أخرجت الكاميرا من حقيبتي. وبدأت أرصد جمال اللوحة الفنية التي أراها من  النافذة -ليلا – مدينة مرسومة بالريشة والألوان حتى أنني كنت مشتاقة للهبوط حتى أرى اللوحة الفنيّة عن قرب .. أنهيت إجراءاتي بالمطار وتحركت صوب باب الخروج.

تاكسي تاكسي ..على باب المطار لاحقني هذا الصوت وعلى الرغم من عدم ارتداء أكثرهم ملابس الليموزين المتعارف عليه – عالميا -إلا أنني كنت مضطرة للاستجابة  ..فالوقت متأخر والمدينة غريبة علىّ لا أعرف عن طقوس النقل فيها شيئا .. انتقيت من بين هؤلاء شاب تبدو عليه ملامح الوقار .. ركبت سيارة الكدادة -كما يسمونها في جدة -واستأذنت السائق أبو فطوم إيصالي لفندق مطلّ على البحر.  قال : هيلتون مثلا..قلتله لأ. أريد فندق هادئ السعر له إطلالة ناعمة على البحر .. اتجه الشاب بي إلى فندق ميرا الواجهة البحرية وللحق أحسن الاختيار فالفندق جامع ين الاطلالة والسعر التنافسي كما ان به تراسا راقيا يحفّز عشاق الكتابة مثلي على الإبداع.

وضعت حقيبتي بالغرفة ونزلت للريسبشن فإذ بسارة فتاة سعودية ذات وجه باسم تحتفي به .. استأنست لها وسألتها عن أجمل أماكن المدينة شوارع كانت أو معالم او آثار أو بيوت تاريخية وأبلغتها بأنني كاتبة قبل أن أكون سائحة فقدمت لي معلومات وافية بوصفها ” بنت البلد ” وأدرى بنقاط سحرها وجمالها. أرشدتني لشارع التحليّة – شانزليزيه جدة ولشارع فلسطين شريان المدينة النابض وشارع الكورنيش عنوان جدة وايقونة جمالها وأخيرا منطقة البلد خزانة الماضي وحافظة التاريخ وقالت: في هذه الأماكن الأربعة يمكنك قراءة جدة ومن ثم الكتابة عنها ووعدتني – إن سمح الوقت – أن ترافقني في رحلتي.

 الجمعة

اتصلت بالكدّاد – ليلا –  وطلبت منه الذهاب لشارع التحليّة والسير ببطء شديد وعدم الاستياء إذا أردت التوقف عند بعض الأماكن فوافقني – مٌبتسما – ولكنه فاجأني بالقول: ” إذا سألك المرور أنت مين قولي بنت عمي” ضحكت للقرابة الجبرية رغم تباعد الشكل واللهجة بيننا ولكني لم أجد إجابة إلا حاضر .

في شارع التحليّة أو ما يطلقون عليه “شانزليزيه جدة” كانت جولتي الأولى .. متاجر راقية وكافيهات 5 نجوم ومحال عالمية للملابس والعطور .. نظرات خاطفة للشارع النابض بالحياة أعادتني بحق للأجواء الباريسية. كنت أتوقف أمام الكافيهات لأحتسي القهوة برفقة الكداد وألتقط صورا لأماكن لا ينشغل بها المصورون المحترفون. لم أكن مشغولة بالشراء فأنا لم آت جدة كي أتسوق .. كنت فقط أتفقد الأماكن وأطيل النظر في التفاصيل حتى أكتب بحبّ وحيادية .

ماخرجت به حقا بعد 5 ساعات في شانزليزيه جدة هو أن الشارع من الشوارع ذات الخصوصية .تزوره غالبا الطبقة المخملية شديدة الثراء وهذا ما تجّلي أمامي في شكل المحال وأناقة الكافيهات وتنسيق الجلسات وموديلات المركبات وشكل الرداء الذي ترتديه الفتيات وربما أناقة الشباب أيضا. انطباعات سجلتها في أجندتي عن شارع عالمي المستوى في مدينة عربية.

الشارع الراقي – في شكله ومحتواه – منحنى أول انطباع عن جدة عروس البحر الأحمر بل وأكد لي المدينة التي رأيتها من مرسومة بالألوان من نافذة الطائرة كشفت لي الآن عن تفاصيل لوحتها الأنيقة .

المضحك في رحلة الشانزليزيه كانت سيارة أبو فطوم – موديل قديم ومحرك يصرخ صرخات الغضب وبودي لا يخلو من الصدمات ولكن ما باليد حيلة فالسيارة سيارة ابن عمي – كما قال – والقريب أولى من الغريب. ليس هذا فقط  بل كانت تسوقفني ملامحه كلما شاهد رجل مرور من بعيد حيث تكتسي بشرته بخطوط القلق والاضطراب . ومع كل هذه الأشياء التي تحفزني لإستبدال المركبة إلا أنني رفضت – كليّا  فمع قدمها كانت في عيوني أجمل  “مركبة ضيافة” ..مركبة تتكلم ترحابا وحفاوة بالضيف وسائق حصري لايمكن  مع مرور الأيام نسيانه .

السبت

في صباح السبت نزلت إلي تراس الفندق وبدأت أدوّن انطباعاتي عن أول خمس ساعات في شوارع العروس . كتبت عن سائق الكدادة – صاحب المركبة الصارخة –  الذي قدمته لي الصدفة الجميلة  ورأيته بعيوني “سفير مدينة” يحكيها بمواقف  الكرم والضيافة غير المعهودة . كتبت عن النسخة العربية لشانزليزيه باريس ..نسخة تفوقت بحق عن نظريتها لأنها تتكلم بلسان يصنع القرب والحميمية … صعدت لغرفتي كى أتاهب لرحلة ليلية أخرى بمنطقة البلد ..  انتظروني في تمام التاسعة

  • شانزلزيه جدة شارع خاص لاترتاده إلا الطبقات المخمليّة
  • يحمل الشارع بطاقة تعريف راقية عن جمال المدينة وسياحتها
  • جلسات أنيقة بالمطاعم والكافيهات وأسعارها  معتدلة نسبيا
  • الشباب والشبابات يتخذون من التحليّة مكانا للنزهة كشانزليزيه باريس
  • المركبات المصطفّة على جانبيه بانوراما من الأناقة والفخامة
  • تنظيم مروري راق وانسيابية ملموسة في حركة المركبات
  • خليط واضح وتنوع لافت في لهجات رواد الشارع الحيوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى