فنادق ومنتجعات

فندق يٌعذّبك .. لا تنساه . احذر كاروستا

رحلة : غادة أحمد

لم أكن أظن أن فضول الاستكشاف وعشق الدهشة والاثارة سيحملاني للمبيت لـ 8 ساعات في هذا المكان. ولم أكن أتخيل أن السفر الذي قدّم لي فصول المتعة والرفاهية لسنوات هو ذاته الذي يصفعني ويهديني أقوى لطمة وجه في حياتي.

أنا غادة أحمد ئائبة رئيس تحرير مجلة بوردنج السياحية يصفني المقربون ببنت بطوطة لكثرة رحلاتي ويسميني آخرون بعاشقة الغموض لرغبة الاستكشاف المشتعلة داخلي. لا يستهويني البحر والنهر والجبل متى زرت بلد أو مدينة بل أبحث وأفتش عن كل مثير وغريب توارى خلف ستائر السياحة – عربية كانت أو عالمية.

دعوة ملغومة من صديق لزيارة لاتفيا الجميلة على ساحل البلطيق. بدأت بفرحة طاغية وانتهت بمأساة يعجز عن نسجها كتاب الدراما. اقرأوا الحكاية.

على بوابة الفندق الحديدية تم تفتيشي وزميلتي تفتيشا ذاتيا وأخذ الكاميرات والهواتف وحقائب الأوراق ليس هذا فقط بل أجُبرنا في الريسبشن على التوقيع على إقرار على أن نُعامل طيلة أيام الإقامة معاملة المجرمين لصوصا كانوا أو قتلة.

ترددت وزميلتي وفي النهاية وافقنا استجابة لوخزات الفضول التي لم نستطع مقاومتها.  دخلنا معا لممر ضيق ومظلم على يمينه ويساره زنازين الحديد. كل زنزانة تحمل رقما. لحظات ونظرت خلفي فلم أجد صديقتي ومن بعد تم الدفع بي إلى زنزانة 6.

في داخل زنزانة 6 يوجد لوح من الخشب عليه وسادة قديمة وعلى الأرض طبق من نحاس وفي السقف مصباح يهتز لصناعة التوتر وقطرات ماء ذات صوت منتظم تتساقط لمزيد من تعذيب. لم احتمل وتعالت صرخاتي بشكل غريب ولكن لم يلتفت لي أحد.

طرقت الموظفة باب غرفتي أو زنزانتي -إن جاز الوصف -ووضعت طبق الطعام على الأرض ثم ركلته بقدميها بشكل مهين. كم تمنيت بحق لو يصطفيني الموت في هذه اللحظة. ومع حالتي النفسية المتردية في هذه الأجواء زادت طرقات زميلتي في زنزانة 5. هي تضرب على بوابة الحديد بقوة وأنا أشاركها بمزيد من صرخات.

في الصباح تم اقتيادنا لجولات جبرية للتعرف على تاريخ الفندق وزياره أركانه. استجبنا على الفور بعد أن أبلغونا أن رفض أي نزيلة الخروج سيتتبعه قيامها بتنظيف كل الغرف.

خرجنا مع المرشدة لنرى ساحات الإعدام الجماعي ومسارح الدم ونقرأ في متحف خاص آخر كلمات كتبها المساجين قبل الموت بطلقات الرصاص والوقوف تحت المقصلة.

لا تتعجبوا من القصة فهي ليست من صنيع الخيال بل مشاهد أنقلها من فندق كاروستا أبرز معالم مدينة لاتفيا الواقعة على ساحل بحر البلطيق. سجلتها في حافظة ذاكرتي بعد أن سلبوني الكاميرا على البوابة.

فندق كاروستا كان سجنا لتعذيب الخارجين عن القانون ثم حوله القائمون على سياحة لاتفيا إلى فندق يقدم تجربة مغايرة عن كل فنادق الأرض. يعذبك لتتذكره ويهينك حتى لا تنساه ويدعوك للنوم أرضا حتى لا تفارقك أحلامه.

نعم إنها الإهانة الفندقية. ومن بمقدوره نسيان من أهانه.

***

فندق كاروستا بلا غرف شاغرة. والحجز قبل الذهاب بشهور. ولست أدرى حتى اللحظة لماذا يذهب السياح؟ وأي متعة ينشدونها من النوم خلف القضبان.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى