من هنا وهناك

 الصحافة ترقص على حبل النار

 بوردنج -غادة أحمد

من المُضحكات المبكيات سعينا المتسارع -عربيا -لإغلاق دور الصحافة الورقية واعتمادنا على صحفيي الهاتف والتغريدة ليحملوا لواء الإعلام الجديد ويتحملوا مهمّة أكبر من مقاس أحلامهم وقدراتهم ليس هذا فقط بل ويحملوننا معهم -غصبا -للرقص على حبل النار.

من المُضحكات المبكيات أن نرفع السوشل ميديا على ظهر الجواد العربي ونمنحها السيف الحاد لتقتل أمام أعيننا سيدة القصر صانعة الفرسان.

بارت سلعة أصحاب الفكر والرأي والقلم في 2020 وأصبح السوق لا يحتاج بضاعتهم حتى أن أكثرهم   ياللأسف تحوّل لسائقي تاكسي في مسعى بديل يضمن استجلاب الرزق واستمرار الحياة.

توارى الكبار وتلاشت سطورهم الجميلة التي علمتنا وعلمت أجيالا قبلنا. ضاع السطر الراقي الذي يُربّي طفلا وحلّت مكانه تغريدة عرجاء تصنع اليوم جيلا مشوّها لا يعرف الكتابة ولا القراءة. تغريدات تسخر من العقل وتٌخرج لسانها للعالم -تندرا -بجهل كاتبها وذائقة قرائها.

من هؤلاء الذين تسيّدوا الساحة الإعلامية اليوم؟ لا مقومات مؤهلة للعمل ولامؤهلات علمية داعمة ولا مرجعيات مهنية راسخة. تغريدات مكتوبة بركاكة ومفتقدة لأدنى ضوابط اللغة. ومقاطع عن مطاعم وكافيهات وكأن عقولنا تحوّلت بأمر هؤلاء إلى بطون وأن قمة أحلامنا الإعلامية وجبة رز وأنفاس أرجيلة.

السوشل ميديا. روافد عالمية عظيمة النفع ولكن يبدو إننا أسأنا فهمها ولم نعي مفردات حديثها. استجلبناها لا لنواكب بها العصر بل لنقتل بها الحاضر الإعلامي والماضي الصحفي معا.

السوشل ميديا دخلت مجتمعاتنا العربية لا لتأخذ من كل قبيلة رجل ليكون لها تابع ومُريد بل تمكنت في غضون سنوات قليلة من تجييش الأوطان لصالحها حتى بات في كل بيت صحفي بجوال وآخر بتغريده.

أنا لا أنادي بالصدام مع العصر ولا إعدام السوشل ميديا بل فقط تهذيب هذا الرافد وقصّ أظافره حتى لا يتحول إلى مارد بأنياب مخيفة. أطالب بقانون يرفع أيادي الصغار عن الهواتف والعودة بهم لأحضان أمهاتهم. فهؤلاء يضربون الإعلام بضربة معوّل قاسية. أطالب بمنح الثقة لفرسان الورق ليعزفوا معزوفة الإبداع من جديد،

صحافة الورق هي أم الأبطال ..سيدة لا تكبر ولو بعد 1000 عام. ربّت أمما وعلّمت أوطانا فكيف نصفها اليوم بالعجوز ونهددها برصاصة الرحمة.

ليتنا نُهذَب السوشل ميديا بنفس طريقة تهذيب الشجر لننتقل بها من شجر معدوم القيمة إلى آخر للظل والزينة. ليتنا نراقب صحفيي الهاتف والتغريدة ونقدم لهم معطيات التدريب والتأهيل. ليتنا نصنع إعلاما رديفا يساير الصحافة الورقية في خُطى سيرها ويعينها في مشوارها التنويري الجميل.

ليتنا نحاصر المحتوى ونلاحق إعلانات المنتجات الرديئة على السناب ضمانا لسلامة المجتمع. ليتنا نأخذ من السوشل ميديا السيف. نرحب بها ضيفا بلا معركة مع الكبير. ونحتفي بها مًساعدا ومعينا.

صدقوني غياب الرقابة جعل طلاب الابتدائي رؤساء تحرير مواقع الكترونية يرفعون على صفحاتها أخبارا تفتقر للموثوقية يتم تشييرها ليصل بعضها إلى الترند. أخبار ملغومة تسافر في لحظات لكل بلاد العالم. وهنا بيت الداء ومكمن الخطر.

**

المصيبة أن أكثر مشيعي جثمان صحافة الورق لم يطالع في حياته صفحة ورقية واحدة. أكثر مرددي شائعة الموت لا تربطه بالقراءة والكتابة صلة. أكثر المنادين بإعدام الصحف لم يقرأ في عمره صحيفة ولم يتوقف عند إبداع مقال واحد.

شائعة تسربت وانتشرت وسرت واتسعت وكبرت حتى باتت وياللأسف حقيقة.

الله يرحمك ياسعد زغلول. قالها للمبدعين من زمان ومحدش صدَق.  مفيش فايدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى