من هنا وهناك

عاد ليندهش .. عاد ليتحسّر .. ابن بطوطة

بوردنج .. رئيس التحرير 

عاد ليُكمل مشوار سرده ويتنقل من جديد على فرسه ليُقدّم النسخة الثانية لمرئياته عن البلدان التي زارها 2020؟ كان سعيدا بالعودة لحياة منحته ألقابا كالجواهر ووصفته – سابقا -بأشهر مؤرخي السفر ومستكشف كنوز الرحلات وصاحب الجغرافية البديلة.  لا تسألوا كيف عاد وكيف نفض التراب عن جسده تاركا مسكنه الهادئ؟ فيكفي فقط أن تعرفوا ماذا رأى.

بدأ ابن بطوطة أسفاره منطلقا من الجنوب وتحديدا السودان فقال: وجدت البلد الطيب الذي منحته الحياة أجمل ألوانها سمار البشرة وخضار القشرة وبياض القلوب وقد تبدّل حاله. لم يسرقه غريب بل سرقه أهله ونخر السوس في جسده وما أعجبه -حقا وأنا أراه يمزق ذاته بسكين المكائد دون أن يتربص به عدو أو يغزوه كاره. جلست في السودان أسبوعا كاملا ولم احتمل البقاء.

أكملت الطريق إلى لبنان -الوطن الأنيق -فإذ بالفقر قد أكل أطرافه وسرق الوباء عافيته وأحرقت النيران ما تبقى من أحلامه بل وحملته إلى أعتاب ثورة جياع وأجبرت شعبه على الانتقال من مسارح الفرح والغناء إلى طوابير كسرة الخبز.  لم استطع رؤية الربيع وهو يحترق وأغمضت عيني حتى لا أرى الجمال المٌهان وركبت فرسي باحثا عن بلد جديد.

قطعت المسافات لليبيا فلم يٌحسن الوطن ضيافتي ورأيت شعبه قد انقسم إلى فريقين ..فريق يبيع الأرض للغازي وفريق يتمسك بحفنة التراب ويشتريها إما مسكنا وإما قبرا ..رأيت البيوت تترنح والقلوب ترتجف حتى الأيادي لم تعُد تملك القوة لتضرب عدوا أو تزرع شجرة. تعجبت من حال البلاد الجميلة  – شرقا وغربا – والتي صنعت في أمسها مجدا وحضارة وعلّمت العالم أصول الحفاوة . وسألت نفسي لماذا تحولت إلى أوطان كئيبة؟

من ليبيا إلى سوريا أرض الثقافة ومن ثمّ العراق صانعة التاريخ كانت الرحلة التي لم تدم أياما. فما جدوى البقاء طويلا على أرض محروقة لا تسمع فيها إلا صرخة هنا وأنين هناك ولا تر في شوارعها إلا نعوش مسافرة غصبا إلى العالم البعيد. ومع حٌلمي الذي تعاظم في رؤية وطن سعيد كان البوم ينعق في طريقي حتى فرسي أصابه الإعياء ليس من طول الطريق بل لغياب بسمات الشعوب التي كانت تمدّه بالوقود وتحفزه للركض الراقص.

الفاجعة تمثلت وقتما حللت – ضيفا – على بلد صغير فاذ بي أراه قد بدّل رداءه بجلباب متسع ظنا منه أن الرجولة بالجلابيب .  ارتمى في حضن الكبار كى تمنحه الحماية والوجاهة والوقار ونسى أن الذئاب تأكل الشاردة ولا تحمي القطيع ..تغيّر البلد الصغير فلم تعد تدري أهو وطن بحق أم مقاطعة اشتراها غريب؟

لم أيأس وسافرت إلى مصر أرض الكنانة – مرفأ الحبّ صانعة السعادة – علّني أنعم على أرضها بأيام مختلفة فرأيتها مشغولة بسبعة حروب .. حرب مع عدو  يسكن منازلها يحمل لها سيف العداء ويتمنى لو يحرق ربيعها وحرب لحماية النيل – هبة الحياة – بعد أن تسلل إليه من ينشد تغيير هويته ومجراه وأخرى لنصرة جار استأسد عليه ظالم فاذ به يصرخ صرخة الرجاء طالبا من منها الحماية وحرب مع الفقر وأخرى مع الوباء و أخيرة مع أخلاق تردّت وجعلت من التحرش قضية تستحق الدفاع .

تركت مصر الجميلة في همّها وعدت خطوات للوراء .. مزقت أوراق النسخة الثانية وألقيتها في الحاوية – خجلا – وأكتفيت بذكريات ورق قديم كتبته في قرون الحب والسلام ..  ركبت فرسي وبدأت أسأل نفسي : مالها البلدان باتت تبحث عن الموت فإن وجدت قاتلا فتحت له الأبواب وإن لم تجد قتلت نفسها .

أنا عائد إلى مسكني الهانىء .. خرجت لأكتب  فلم أجد ما أكتبه .. اقرأوا رحلاتي القديمة فقط .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى