من هنا وهناك

أول شاهد لدماء السندريللا يتكلّم

محررة بوردنج – خاص

مرّ 20 عاما على وفاتها ولاتزال قصتها حيّة. ربما لأنها الفنانة الأسرع وصولا للقلوب والأكثر إثارة عند الرحيل. وعلى الرغم من كل ما كٌتب عنها وعن مشاهد حياتها وسيناريو موتها إلا أن شهادة عجوز وقف على دمها الساخن لحظة السقوط من برج ستيوارت تاور. شهادة جعلتني أكتب من جديد علّني أقدم تفاصيل مختلفة عن بناية تقتل ساكنيها وعن سبعة مشاهير لاقوا مصير الموت بطريقة واحدة.  اقرأوا الحكاية برواية صحفية خليجية وبشهادة عجوز ثمانين العمر

منذ 3 سنوات مضت سافرت إلى لندن وأقمت في بناية بشارع العرب لقرابة الأسبوعين. وكان من المدهش والمٌشبع لي مهنيا إنها بناية تقع على بعد خطوات معدودة من برج ستيوارت تاور الشهير والمثير في آن واحد. كنت صحفية مبتدئة أراسل بعض الصحف والمجلات العربية والأجنبية. ورغم بداياتي الخجولة في بلاط صاحبة الجلالة إلا أشهد لذاتي بمزايا لا ينافسني فيها أشهر صحفيي العالم أبرزها الفضول ورغبة الاكتشاف المتوقدة والنظرالى الحدث من زوايا لا يكترث بها الغير الأمر الذي يجعل تقاريري وتحقيقاتي بعيدة عن سرب المألوف والمعتاد. فاذا رأيت جريمة لا أتوقف طويلا أمام السكين والدم وبشاعة القاتل ومسرح الحادث بل اراقب رداء القتيل وأزرار قميصه وشكل الساعة التي يرتديها. أتابع نافذة المكان ونوع السجادة الممتدة على الأرض وأسأل عن أشياء يراها الناس بسيطة فيما أراها أنا فقط مثيرة مفجّرة لإبداعاتي كصحفية.

في تمام الساعة التاسعة مساء بتوقيت لندن نزلت لأطل على البرج الشاهق ستيوارت تاور الذي اكتسب شهرته من تكرار جرائم المنتحرين من شرفاته. إطلالة هادئة على نوافذ الطوابق الشاهدة على أبشع سيناريوهات الموت. كنت أبحث عن إجابة شافية لأسئلة شديدة الغرابة. عن آخر فستان ارتدته السندريللا قبل الموت والذي تحوّل في لحظات من رداء لكفن وعن آخر وجبة غداء وآخر مكالمة هاتفية استقبلتها. كنت اتمنى لو رأيت أثاث شقتها وسريرها وماحواه دولاب ملابسها. ولكن – ياللأسف -سنوات طويلة فصلت بين زيارتي لستيوارت تاور وحادثة انتحار الجميلة حتى الشخوص الذين عاينوا الحادثة القديمة لم أجد منهم أحدا يروى ظمأ سؤالي.

في اليوم التاسع تفاءلت بوجه عجوز جالس بمقهى على قارعة شارع العرب. اقتربت منه وجلست بجواره لأستأنس بلكنته الإنجليزية الجميلة. سألته عن البرج وساكنيه فسألني من أنا؟ فقلت: صحفية خليجية فإذ به يذكر لي ضحايا البرج بالاسم وتاريخ الموت. ذكر لي أسماء أعرفها وأخرى لم يداعب تاريخها مسامعي. وقال: بصوت مرتعش أنا شاهد على رحيل كل هؤلاء. عاينت 5 حوادث على مدى 42 عاما منها 3 لمصريين ماتوا بسيناريو متشابه وغابوا عن الدنيا بحبكة قصصية معقدة.

فرحت بجلسة العجوز فرحا كبيرا وتأهبت لأصنع كتابا من ذاكرته المليئة بالحكايات. ولكن للأسف فالرجل لا يتكلم عن القاتل والمقتول والأسباب والدوافع والمتهم والمسئول؟ لا ينشغل بما انشغلنا به بل يكتفى بالقول: رأيت هؤلاء وكنت الشاهد على دماء الموت لكن لا أعرف لم الموت ولماذا البناية هذه دون غيرها محفّزة على الانتحار؟

حاولت استنطاقه علني أصل لجديد. سألته عن القواسم المشتركة بين المنتحرين الخمسة والطوابق التي سكنوها والمسافة بين الشرفة والاسفلت الخشن ومواقيت الموت صباحا كانت أو مساء ونوع الرداء الذي ماتوا به هل كانت ملابس نوم أم رداء خروج ونزهة فأجابني: الخمسة 3 رجال وامرأتان. اثنان أقاما في الطابق التاسع من ستيوارت تاور واثنان في السادس وواحدة في السابع كما المنتحرون لقوا حتفهم ما بين الثانية عشرة ظهرا والعاشرة مساء وجميعهم مات برداء أنيق.

واستطرد العجوز في الحكايات قائلا: أول حادثة كانت في أوائل السبعينيات وآخر حادثة كانت من 9 سنوات والرجال-حسبما اتذكر – جميعهم مشاهير أما السيدتان فواحدة لم تتجاوز الخمسة والعشرين والثانية فنانة مصرية شهيرة لم أر ملامحها إلا يوم الرحيل ويقال انها كانت محبوبة في مصر. لا تسأليني عن مجريات التحقيق في القضايا الخمس فأنا لست ضابطا فقط أنا من مدمني هذا المقهى ورؤيتي للحوادث كانت بمحض الصدف الغريبة.

سجلت حديث العجوز في ذاكرتي ولكنني أحسست انه لم يضف جديدا فالكل يعلم ما قاله ولكن ملأني الإصرار لجلسة أخرى معه أتأهب فيها بأسئلة جديدة علّه يستفيق ويفجر لي مفاجأة. عدت إليه فابتسم وكأنه تعوّد على وجودي بجواره. سألني ماذا تريدين مني أيتها الجميلة؟  فالحوادث قديمة والذاكرة تموت.

كل ما أقوله لك أن سيتورات تاور مقبرة المشاهير لم ينتحر من شرفاتها أشخاص عاديون بل مميزون عاشوا ملء السمع والبصر وماتوا بأسرارهم فلقد انتحر منها عسكريان وفنانة وعروسة جميلة وموسيقار شهير. لا أصدق من يقول انها جرائم قتل ومن ثم القاء من النوافذ فستيوارت تاور بناية مؤمّنة بالكاميرات ملغومة بالحراسات.

سألته عن القواسم المشتركة بين المنتحرين الخمسة قال: لا قاسم بينهم إلا الشهرة والغموض. فنحن لا ندرى لماذا أقدم هؤلاء على هذه الفعلة ولماذا كرهوا الحياة الى هذا الحد؟ فالعروسة ساكنة الطابق السابع كانت جميلة الى حد بعيد كما الموسيقار الألماني بلغت شهرته الآفاق حتى الفنانة المصرية – حسبما سمعت – كانت محبوبة في مصر وله تاريخ يحفظه الجميع أما العسكريان فلقد اهتزت لهما الأوساط يوم الرحيل وكتبت عنهما الصحف لأسابيع وربما شهور.

عدت بالسؤال: هل لم تجد من مقتنيات الخمسة شيئا وأنت تعاين لحظة السقوط؟ قال هناك أشياء كثيرة تناثرت حرزتها جهات التحقيق أبرزها ساعات اليد المهشمة وسلاسل العنق وبعض النقود الورقية أما أنا فلا أتذكر إنني احتفظت بشيء فلقد كنت وغيري حريصين على ترك كل شيء في مكانه علّه يحمل في باطنه دليل يكشف اللبس والغموض.

وتنهد العجوز قائلا: يا أيتها الجميلة أراك تبحثين عن حظك الصحفي وسط أكوام مبعثرة من الحكايات. هذه هي البناية أمام عينيك يسكنها كثيرون لم ينتحروا بعد. ربما يفكرون الآن وينفذون غدا. وها أنا جالس مكاني في ذاكرتي 5 حكايات ربما تزيد ولكنها ابدا لن تنقص.

سأنتظرك في نفس الشارع وعلى ذات المقهى المطلّ على البناية وأعدك سأحفظ من أجلك كل ما يثير الفضول ويشبع عطش القلم والورق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة + أربعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى