من هنا وهناك

عاشقة الدّم .. ماذا قدمت للسياحة؟

بوردنج – خاص

لم تكن سان فرانسيسكو هى الوحيدة التي غيرت قانون المتعة والرفاهية وقتما جعلت من سجن الكتراز – أعتى السجون وأكثرها وحشية –  مُتحفًا سياحيًا يزوره اليوم الآف السياح .ولم تكن هى الوحيدة أيضا التى استثمرت الجريمة وجعلت من الجناة أبطالا لقصص سياحية جاذبة وعلى الرغم من الصورة الكئيبة التى تصدّرها بوابة سجن الكتراز الحديدية والزنازين ذات النوافذ الضيقة والأسرة الأسمنتية الصلدة وكتابات المساجين على الحوائط إلا أن السيّاح يسعدون كل السعادة وهم ينامون داخل زنزانه مُصمتة ويشعرون بالمتعة وهم واقفون تحت مقصلة الإعدام ويبتسمون لحديث المرشد السياحي وهو يروى عن فنون الإجرام التى أوصلت الجناة لهذا المصير .ومع الدهشة التى لاحقت الكثيرين يوم أقدمت سان فرانسيسكو على هذا النهج السياحي الغريب كانت الصدمة بحق يوم أن أحتذت سلوفاكيا نهجا مشابها واستثمرت تاريخ القتلة و جعلت من قصر المرأة التى قتلت 600 فتاة عذراء وشربت دمائهن متحفا يرتاده الزائرون .

 ربما نصفق للابتكار السياحي المجنون  ونسأل عن ” المُبدع ” الذى جعل رائحة الدم تجذب الزوار كرائحة الياسمين .نسأل عن مسرح الموت ومدفن الجميلات كيف تحوّل إلى متحف عالمي بستقطب ملايين الزائرين  وأخيرا نسأل عن ذائقة السائح لماذا تغيّرت وأصبح يبحث عن سجن تارة وقبر تارة وكأنه عدو للحرية والحياة؟

كانت الملكة اليزابيث باثوري – مجريّة الأصل – امرأة ذات جمال متوقد وأنوثة طاغية وثراء كبير . ووقتما تزوّجت بنى لها زوجها قصرًا على سفح جبل ليعيشا معا حياة بمعزل عن العالم ولينعما سويا بدُنيا جميلة لا يسكنها إلا بطلان .ومع جمال الحياة فى هذا القصر البعيد لم يكن يكدر صفو أيام العروسة الجميلة سوى غياب زوجها المتكرر وتركها وحيدة مع خادمات القصر لذا كانت تلوذ الى خيالها وترسم مع نفسها أمام المرآة قصص عشق خاصة وتتخيل نفسها بين أحضان فرسان يتمتعون بالوسامة والجمال . 

كانت شغوفة بعالم الشعوذة والتنجيم وقد ساعدتها خادمتها العجوز على احتراف هذه الفنون والتى مثلت – إن صح التعبير – البوابة الحقيقية لدخولها عالم الجريمة .  كانت  اليزابيث تتعمد النظر كثيرًا على مفاتنها فى المرآة  وكأنها تبكى الجمال الذى لم يُحسن استغلاله الرجال. فكرت كثيرًا وربما نجحت فى إقامة علاقات مع آخرين ولكنها اعترفت بها ونالت السماح من زوجها .

الوحدة والخيال وفنون الشعوذة وحكايات خادمتها العجوز حوّلت الجميلة الى امرأة متسلطة عنيفة تميل إلى معاقبة الخادمات بنزع ملابسهن وتعذيبهن – عرايا – بالسياط وتسعد كل السعادة متى رأت الرعب مرسوما على الوجوه . وليت الأمر توقف عند هذا الحد  بل تحوّلت أليزابيث في غضون أعوام إلى امرأة سادية تميل إلى العنف في كل شىء وأى شىء . ولأن الخيال كما يقولون محرقة النساء تولدت لدى اليزابيث قناعة بأن شرب دماء  العذارى يحافظ على جمالها ويحول بينها وبين الشيخوخة  لذا غيّرت طاقم خدمتها الى فتيات من ذوات الحسن الصارخ وبدأت ترتب كى تحوّل قصرها الجميل الى أسوأ

بدأت اليزابيث فى ممارسة طقوسها مع الفتيات العذارى والتى تبدأ بتجويعهن إسبوعًا كاملا ثم  ذبحهن عرايا والاستحمام بدمائهن الساخنة قناعة منها بأن هذه الدماء تمثل سر الحفاظ على رونقها الأنثوي . لم تكتف اليزابيث بدماء خادماتها  اللائي يقمن معها فى القصر بل انعطفت بجرائمها البشعة منعطفا آخر وباتت ترسل سيدة سوداء لتنتقي لها أجمل الجميلات من الريف لإغرائهن  بالعمل فى قصر الملكة لقاء مبلغ كبير ليواجهن بعد فترة قصيرة مصيرهن الدامي .

مات زوج أليزابيث – المقاتل الشرس الذى أشغلته الحروب عن بيته – فلم تحزن على رجل  عاشرها فى العمر أسابيع  وغاب عنها سنوات بل ربما سعدت لأن الأجواء باتت خالية من الرقيب محفّزة كى تقوم بكل ما تتمناه من عمل دون أن يسألها أحد

وصلت الكونتيسة لسن الأربعين وبدأت تشعر بالخوف والقلق على جمالها فغلت داخلها شهوة الدم وبدأت تبتكر فنونا للقتل غير مسبوقة بل حرصت على أن يكون  وعاء حمامها المعدني مملوءا بالدم على مدار الساعة تذهب اليه لتنام فيه ساعات  حفاظا على أنوثتها الجميلة . لذة غريبة كان تستشعرها الكونتيسة وهى ترى جثة ضحيتها معلقة ودمها يتساقط قطرات داخل الوعاء . ومن بعد تأمر خادمتها السوداء لحملها ومن ثم  القائها فى زاوية من زوايا حديقة القصر وردمها بالتراب .

شبعت الكونتيسة من دماء الخادمات وجميلات الريف وبدأت فى التفكير فى دماء بنات الأسر النبيلة الثريّة ممن كن يأتينها لتعلم فنون الاتيكيت والذوق الرفيع وبالفعل نالت من كثيرات وملأت وعاء حمامها بهذا الدم الوردي .

عشر سنوات ارتفعت فيها أرقام ضحايا الكونتيسة الى 600 فتاة حتى تسرب خبر اختفاء عدد من فتيات الأسر النبيلة دون سبب واضح وأصدر الامبراطور الحاكم وقتذاك أمره باقتحام القصر المنعزل ليشاهد الجنود – حسبما أفادت المصادر – أبشع المشاهد الدامية  . فتاة معلقة فوق الإناء لايوجد فى جسدها قطرة دم كما وجدوا الآثار الغارقة بالدماء فى كل ركن من الأركاء هذا بخلاف ما وجدوه فى حديقة القصر من بقايا بشريّة لأكثر من 50 فتاة .

مع بشاعة الجرائم التى ارتكبتها ” كونتيسة الدم “والصخب الذى صاحب محاكمتها التاريخية كان حكم القاضي بإعدام كل الخدم المعاونين للملكة واحراق جثثهم  فيما اكتفي بحبس الكونتيسة داخل غرفتها – مدى الحياة – وإغلاق نوافذ الغرفة وأبوابها بالحجارة وادخال الطعام لها من خلال فتحة ضيقة فى جدار  حتى فارقت الحياة

القلعة التى جعلتها اليزابيث مسرحا للدم  ومدفن الجميلات انتبه اليها المسئولون عن سياحة سلوفاكيا . فلم يعبثوا بأى ركن من أركانها ولم يحركوا طاولة من مكانها بل تركوا كل شىء على حالة ومن بعد جعلوا هذا المكان الدموي المخيف متحفًا سياحيًا يرتاده ملايين الزوار كل عام .

  قد نختلف مع هذا التوجه السياحي  ولكننا لا نملك إلا أن نصفق للفكر الإبداعي الذى أشعل حميّة السياح وحركهم لزيارة قصر الـ 600 ضحية . نصفق للإبتكار الغريب الذى حوّل العيون لضاحية منعزلة وقصر بعيد سكنت فيه عروسة جميلة الوجه والقوام ولكن الأيام بدلت طبائعها إلى سادية وقاتلة . نصفق لقراءة المسئولين الناجحة لذائقة السائحين وادراكهم بأن رؤية مسارح الدم أهم عند كثيرين من التمتع ببحر أو النوم على رمال شاطىء. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى