بروفايل

السياحة بين مطرقة كورونا وسندان الإفلاس

 بقلم : أسامة تنبكجي

خبير في العلاقات العامة والإعلام السياحي والفندقي

بدأت الحياة بشكل عام تأخذ منحاً مغايراً عن طبيعتها التي كانت عليه من قبل، وباتت أولويات الصحة والسلامة والوقاية أمراً تفرضه الضرورة، مع الإبقاء على الحجر الصحي في بعض البلدان كشرط أساسي لدخولها من قبل الزائرين، ومع استمرار ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس الذي قلب العالم رأساً على عقب، عادت العديد من دول العالم إلى حالة شبه الإغلاق كوسيلة للسيطرة على الجائحة ومنع انتشار العدوى وخاصة في الدول الأوروبية، وآثرت العديد من الدول إنهاء حالة الإغلاق والحفاظ على دوران عجلة الأعمال حفاظاً منها على الاقتصاد من الانهيار التام، ولمنع وحش كورونا من التهام ما تبقى من دفة الاقتصاد التي تحاول إنقاذ البلاد من الغرق في بحر الإفلاس.

نعم بين عشية وضحاها ، انتقل العالم من السياحة المفرطة إلى عدم السياحة، وبسبب وحش كورونا أصيبت الدول التي تعتمد على السياحة في اقتصادها بمقتل، ونالها ما نالها من افتراس شنيع سبب خسائر تقدر بـ 35 تريليون دولار عالمياً، ومع شبه توقف حركة السياحة الخارجية لم تعد ساحات روما مزدحمة بالزوار كعادتها، ولم يعد شارع الشانزليزيه مقتظاً على آخره بالسائحين، ولم يعد برج بيزا المائل يرتاح على أكتاف السيّاح الذين هجروه مرغمين، ولم تعد لوحة الموناليزا تنظر بدلال لجموع الواقفين في الصفوف منتظرين الاقتراب منها والتنعم بنظرة منها تروي ظمأهم السياحي، ولم تعد قمم الجبال وبحيرات سويسرا ترقص متباهية بعدد السائحين الذين كانوا يقومون بحجز ملايين الليالي الفندقية كل عام.

نعم هناك دوماً جانب إيجابي لدى البعض في كل حكاية، فعندما عبّرت لصديق لي عن حزني  لما وصلت إليه حال أجمل الوجهات السياحة على سطح الكرة الأرضية من هجران، أجابني ضاحكاً بأن هذا الأمر لابد وأنه عاد بالنفع على السكان المحليين الذين وجدوا من انتشار جائحة كورونا وتوقف السفر الذي سببته فرصةً لهم لتنفس الصعداء والتقاط أنفاسهم، حيث تحسنت حياتهم دون حشود السيّاح المجنونة، فباتت السماء صافية وانخفض معدل القمامة والنفايات، وحافظت القنوات والشواطئ على نظافتها، وعادت الحياة البرية إلى أوجها، وباتت الحيوانات على اختلاف أنواعها تسرح وتمرح حتى أنها وصلت إلى المدن والمناطق السكنية.

أجبت صديقي ولكن الأعمال التجارية والسياحية والفندقية والخدمية التي كان يعتمد عليها هؤلاء السكان قد توقفت دون السيّاح، وكشفت عورة الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل أساسي على السياحة والسفر، وإن توقف السياحة والسفر يعني حتماً دماراً اقتصادياً والذي يعني تراجعاً في مدخول الفرد، وهذا يعني بأن عدداً أقل بكثير من الناس باتوا يستطيعون السفر.

ومع شبه التوقف السياحي عالمياً، بات تنشيط السياحة الداخلية أمراً أساسياً، فقد لجأت العديد من المؤسسات السياحة والمنشآت الفندقية والترفيهية إلى وضع خطط لجذب السكان المحليين، ولم يعد استقطاب السائح الآسيوي وتحديداً الصيني أو الروسي هدفهم الرئيسي، وإنما سكان المدن المجاورة الذين قد يجدوا منها ملاذاً للترفيه في ظل حالة جمود السياحة الخارجية التي نعيشها.

نعم تعيد حالياً بعض الحكومات الوطنية والمحلية تصميم استراتيجياتها السياحية لعصر ما بعد كورونا، وسوف تعمل على فرض لوائح تنشط السياحة الداخلية وتركز على البيئة، على أن تصبح العديد من البروتوكولات الصحية وإجراءات الصحة والسلامة دائمة.

ومع صدور خبر بداية اكتشاف لقاح لفيروس كورونا، لا بد لنا من التفاؤل ولو قليلاً عسى أن تعود السياحة الخارجية إلى شبه طبيعتها، وأن تعيد صناعة السفر والسياحة تنظيم نفسها وفقاً للمتغيّرات الجديدة، وعلى المسافر أن يستفيد بعد الانفراج من حالة السباق إلى جيوب المسافرين، والتي سوف تقوم بها وكالات السفر والسياحة والفنادق وشركات الطيران من خلال تقديم الخصومات المجزية التي تغازل مشاعر المسافر، وعندها سوف يستفيد المسافرون الأذكياء من أفضل العروض والتي تخضع طبعاً لشروط الأنظمة الصحية المطلوبة، وسوف يحجزون رحلات أقل خلال العام للإقامة في الوجهات المختارة لفترة أطول.

نعم لن يكون العالم قبل كورونا مثله بعد كورونا، وعلى المسافر المتحمس تحمل مسؤولياته اتجاه العالم والبيئة، وأن يجد من فيروس كورونا درساً لما قد يظهر لنا في هذه الحياة من أزمات، والتي لن يكون كورونا آخرها ولن تكون أزمة المناخ بعيدة عنها.

للتواصل مع الكاتب

 Osama.tinbakji@gmail.com

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى