ثانوي

التماثيل ماعادت تبتسم

بوردنج – خاص

خرجت الجرائم فى مصر من إطارها الكلاسيكي المعهود والذى لا يخرج عن ضحيّة وجاني وأداة ملطخة بالدم لتأخذ شكلا مغايرا ومختلفا لاتسمع خلاله صوت رصاص ولا تري فيه ملامح ضحيّة . هذه الجرائم يحق لي وصفها بـ الجرائم الناعمة ” لأنها ُترتكب فى هدوء وسلام وتستسلم فيه الضحية استسلاما كاملا بل ربما تنام – طواعية – على كتف الجاني .

محفزات عدة حركتني للكتابة عن أبشع جرائم ترتكب فى مصر والمتمثلة فى سرقة الآثار والتى انتشرت فى الآونة الأخيرة انتشارا لافتا وكبّدت البلاد المليارات دون أن تتحرك أىّ من الجهات للتصدى للعابثين بالتاريخ والمتربحين من الماضي. ومع اعترافي بأن سرقة الآثار جريمة قديمة سبقتنا اليها دول وبلدان إلا أن الصورة اليوم تغيّرت وأصبحت البضاعة الغالية التى يحسدنا عليها العالم يزنها المصريون – وياللأسف – بالجنيهات القليلة .

حكاية سرقة الآثار المصرية على أيدى مصريين ازعجتني لأننى عشت معها قصتين: الأولى فى لقاء جمعني مع أحد خبراء الآثار حدثني خلاله عن الوعي المفقود لدى المصريين بقيمة التاريخ مؤكدا أن انتعاش السياحة المصرية يحتاج ” معجزة ” ليس لأننا نفتقد الجمال بل لأننا لا نعرفه ولا ندرك قيمته . حكى لي عن المتحف المصري وكيف كان البعض يريد دخوله وسط ضجيج الثورة .كانوا يهتفون تحيا مصر ويسرقون مصر. كانوا يتمنون رأس تمثال من المتحف قبل أن يطيحوا برأس رئيس فى الميدان .

روى لي عن التماثيل التى سُرقت والأحجار التي انًتزعت من مكانها والقضايــا المنظورة فى المحاكم لأباطرة تربحوا من سرقة التاريخ كنت أسمع لحديثه بإنصات غريب ومن بعد سألته وما الحل لإستعادة بريق السياحة المفقود  قال : السائح – أجنبيا كان أو عربيا – لن يأتيننا من أجل منتجع أخضر ولا فندقا سبع نجوم ولا قرية سياحية عالمية المستوى بل سيأتيننا من أجل التاريخ ولكن !! من يصون التاريخ ويحفظ عظيم أيامه ؟

هذه هى ليست القصة الأولى التى حركتني للكتابة  فمنذ عامين وخلال زيارتي للمتحف المصري وقفت أطالع أحد التماثيل لأعرف اسمه وتاريخه . فإذ بشباب يتحدثون حولي بصوت مسموع ويتبادلون الحكايات عن ” ضربة حظ ”  تنقلهم لعالم المليونيرات لو منحتهم الأيام فرصة بيع رأس كهذه او حجر كذاك . كانوا يحلمون بالثراء السريع حتى لو دهسوا التاريخ بأقدامهم . ومع غرابة الحلم الذى رأيته فى عيون الشباب  ابتسمت لسطحية النظرة لتمثال الملكة نفرتيتي والتى لم تخرج عن التغزل فى رقبتها الملساء  وكأن تاريخ هذه الملكة العظيمة وقف عند حدود الرقبة وانتهى .

سمعت لحديث هؤلاء الشباب ليتأكد لي بحق إننى من جيل سيىء الحظ انقطعت علاقته بماضيه وتقطّعت جسور الصلة بينه وبين تاريخه  فلا يعرف عن نفرتيتي سوى الرقبة وعن أبو الهول سوى الأنف المكسور كما أن معلوماته عن الأهرامات لا تخرج عن كونها المكان الأكثرسريّة وأمانا  للقاءات العشاق.

غياب الوعي والسرقة حرما مصر من أعظم موروث اثري فى الحياة  . فما بين لص يسرق أثرا ويبيعه الى آخر يتمنى ضربة حظ كى يسرقه ويبيعه أيضا . وكم أخشى أن يستمر المسلسل المخيف ولا يُسدل المسئولين الستائر على فصوله البشعة

ياوزير الآثار .. التماثيل فى مصر ماعادت  تبتسم لأنها أدركت ماذا يريد منها  زوارها . ماعادت تبتسم لأن المصريين أنفسهم ماعادوا لها حرّاس ..  فإذاعجزت عن استعادة اثر مسروق فليتك تحاول أن ترد لنا الوعي الضائع .

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى