من هنا وهناك

البارون بين موسيقى تونس وعفاريت مصر

 بروفايل : غادة أحمد

لم يعد من اللائق أن تمر السنوات وراء السنوات دون استثمار فعلي لقصر البارون بمصر كما لم يعد مقبولا أن تظل الأشباح والعفاريت والأصوات التي تظهر ليلا وتختفي نهارا  هى الأوراق التي نستخدمها لنجذب بها الزوار .

ومع ما ذكرته يبقى المدهش أن أغلب إعلاميي مصر يستقون أخبار القصر من حارس واقف على بوابته لايبرح المكان .حارس تحوّل بالصدفة إلي شاهد أثري بل مركز معلومات . حارس لاندري حقا ” شاف حاجة ” أم أنه ينسج من خيالاته ” كل حاجة”

وفي رأيي إذا كان حارس القصر صادقا في إدعاءات الأشباح التي تتحرك ليلا و الأصوات المخيفة التي يسمعها من داخل القصر فلزاما علي المسئولين تغييره لأنه السبب الرئيسي في عزوف السائحين عن زيارة المكان واذا كان كاذبا فينبغي تغييره أيضا واستبداله بحارس يحكي الحقيقة عن قصر شُيد ليكون إنموذجا فريدا في معماره وتصميمه .

مادفعني للكتابة ليس الحارس – صادقا كان أو كاذبا – وانما ماروته لي إحدى الصحفيات عن قصر البارون بضاحية بوسعيد  الشهيرة بتونس ولمسات الإبداع التي حلّت بالمكان حتى بات الأكثر استقطابا للزائرين – وفقا لإحصاءات 2019 – ففي بارون تونس – الذي بناه رودولف ديرلانجي في ثلاثينات القرن العشرين – تصدح  الموسيقى وتتزين جدران القصر بأجمل الرسومات ويطغى اللون الأخضر على الحدائق المحيطة ليس هذا فقط بل تسوق تونس للبارون بإقامة الحفلات الموسيقية التي تُعيد ذكرى الفرنسي رودولف ديرلانجي الذى بنى القصر عشقا في تراب تونس.

البارون الذي عشق تونس واتخذ منها  مسرحا لإبداعاته كان فنانا مبدعا خلاقا يتميز بقدرة غير عادية على رسم لوحات  البورتريه كما إنه موسيقى بارع ترك إرثا فنيا رائعا وأسس مركزا ثقافيا أسماه قصر البارون.

بارون مصر ادوارد إمبان لم يكن أقل أبداعا من بارون تونس فلقد شيّد أيضا تحفة معمارية فريدة من نوعها بعد أن وصل عشقه لمصر حد الجنون حتى أنه اتخذ قرارا مصيريا بالبقاء في مصر حتى وفاته. وكتب في وصيته أن يدفن في مصر حتى ولو وافته المنية خارجها .

بنى إدوارد امبان قصرا اسطوريا فى منطقة مصر الجديدة لا تغيب عنه الشمس حيث تدخل كل حجراته وردهاته وقد آثر أن تحمل شرفات القصر الخارجية تماثيل الفيلة الهندية كما يوجد داخل القصر  ساعة أثرية قديمة لا مثيل لها إلا في قصر باكنجهام توضح الوقت بالدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين. ويتكون القصر من طابقين وبدروم وبرج كبير شيد على الجانب الأيسر يتألف من 4 طوابق يربطها سلم حلزوني تتحلى جوانبه الخشبية بالرخام  وعلى السلالم نقوش من الصفائح البرونزية مزينة بتماثيل هندية دقيقة النحت.

الملاحظ أن الإبداع هو القاسم المشترك بين بارون تونس وبارون مصر .. ولكن سامح الله صُناع الأساطير ممن حكوا لنا عن زوجة إدوارد إمبان التي سقطت من فوق القصر وعن البارون الذي مات دون أن يترك وريثا إلا أن العفاريت و حكايات الفزع والخوف حتى أجمع الكل أن قصر البارون تٌسمع داخله أصوات لنقل أثاث القصر بين حجراته في منتصف الليل كما الأضواء تضيء فجأة في الساحة الخلفية للقصر وتنطفئ فجأة وتبلغ قمة الإثارة وقتما يتناقل حرّاس العمارات المجاورة للقصر  خزعبلات رؤية الأشباح ليلا حتى انها لاتسمح لأحد أن يظل داخل القصر مهما كان الثمن.

بين بارون مصر وتونس وجوه اتفاق واختلاف فالأول عشق تونس عشق الجنون والثاني تيتّم بمصر حتى كتب وصيته أن يدفن فيها ليس هذا فقط بل كلاهما قدم معمارا تاريخيا وترك موروثا عالى القيمة أما الاختلاف قالأول ترك موسيقى عذبة تستقطب العالم لسماعها أما الثاني ترك شبح وعفريت وبواب ليس لهم مهمة إلا طرد الزوار وتخويف السائحين

صدقوني وقما يتحوّل بواب لمركز معلومات وحارس عمارة لشاهد شاف كل حاجة.. تبقى الخرافة أسرع وصولا للمسامع من الحقيقة .

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى