البحيري تكتب : انتحار ناعم في فندق مجنون جدا | مجلة بوردنج
alternative title
طيران نسما

البحيري تكتب : انتحار ناعم في فندق مجنون جدا

رحلة : أسماء البحيري

 في شارع الشانزلزيه وعلى بعد أمتار قليلة من قوس النصر ووسط المحلات ذات العلامات التجارية الناجحة يقع هذا الفندق صاحب الخمسة الآف مراية والذي يتيح للنزلاء رؤية أنفسهم خمسة الآف مرة فى الساعة الواحدة ..كان قدري أن أقيم في هذا الفندق لأربعة أيام ذقت فيها العذاب بكل ما تحمله الكلمة من معني ودلالة وأقسمت بعدها أن تكون رحلتي لباريس الجميلة هى الأولي والأخيرة فى نفس الوقت .

دخلت غرفتي رقم 112 فإذ بجدرانها الأربعة مرايات . إذا نمت رأيت نفسي وإذا تحركت تحركت أسماء البحيري معي وإذا خرجت خرجت برفقتي مرتدية نفس فستاني .

كنت سعيدة بهذه الحالة البانورامية الغريبة في اليوم الأول حتى إذا ماجاء اليوم الثاني والثالث بدأت أملّ الحكاية وفي الرابع انتابني فضول وشوق لتحطيم الجدران الأربعة بل لا أبالغ إذا قلت:أنني كرهت السيدة التي تمشي معي وتلاحقني بشكل لصيق كملاحقة الرقيب .

حالة من الدوار استشعرتها في الفندق المراياتي الراقي في شكله .. المجنون بنزلائه.

نزلت إلى الريسبشن لألتقي موظفة جزائرية وأسألها : من العبقري الذي فكر فكرة استبدال الجدران بالمرايات قالت : مستر كومان فيتس فقلت: ولماذا يعذبنا فيتس داخل الفندق بهذه الصورة ؟ فابتسمت واحترمت فضولي الصحفي وقالت :أن وراء المرايات قصة حيث لم يجد مستر كومان - حسبما سمعت - طريقة ناعمة للخلاص من زوجته إلا بتركيب المرايات بطول وعرض غرفة نومه .

 اسبوع واحد فقط وكان مصير زوجته الجنون .كانت تجري وراء نفسها وتضرب نفسها ثم تندم على ماقامت به وتقبل نفسها قبلة طويلة ثم تنام .

استوقفت عاملة الريسبشن وقلت : ومالنا نحن بكومان وزوجته المجنونة ؟ هل أنتم عازمون على التخلص منا ؟

قالت :أبدا ياصديقتي نسبة الإشغال فى الفندق عالية جدا. زوارنا شعراء وأدباء وفنانون وأثرياء يحتاجون لأيام يتكلمون فيها مع أنفسهم بصراحة .يلعبون معها ويشربون الشاى. ينهون مشاكلهم بهدوء دون وجود ثالث .

لم أعد أطيق خرافات الجزائرية التي تسوّق للفندق بطريقة عجائبية وقلت لها : وماذا عن قصص النزلاء هنا هل يصيبهم الجنون فعلا ؟ قالت طبعا فلقد أقدم نزيل منذ أسبوع على ضرب المراية بالنار لأنه أختلف مع نفسه على نقود فيما قدمت سيدة بلاغا للشرطة لأن نفسها سرقت فستانها وهى تريد أن تخرج به . هذا بخلاف مانسمعه من صرخات وتكسير للحوائط وما نشهده من حالات انتحار .

قلت ألا تعلمين أن مستر فيتس صاحب الفندق مجرم وقاتل قالت : أبدا إنه انسان رومانسي رقيق المشاعر. ابتكر أجمل فكرة في الوجود . فالذين يكرهون المراية يكرهون في الأصل أنفسهم . هم يريدون مراية أخرى تكذب وتقبل الرشوة . مراية تحوّل القبيح إلى جميل والأسود لأبيض وصاحبة الشعر الخشن إلى عروسة حسناء . يا صديقتي الجميلة أسماء ..المراية لاتكذب ونحن فقط نحب الكذب والكذابين .

 أربعة أيام فقط ولم أحتمل . كرهت فيها الشانزلزيه رغم جماله وكرهت أسماء التي تأكل وتخرج وتنام وتلعب وتتحرك معى 24 ساعة في اليوم .

حملت حقيبيتي بحثا عن فندق آخر لامرايات فيه . فندق ليس فيه كومان صاحب التجربة الناعمة . تجربة الموت بلاسكين ولا طلقة رصاص . فقط مرايات على أربعة جدران .

****

مع كراهيتي للفندق وأيامه لايزال حديث الجزائرية يتردد في أذني ..المراية اختراع لايقبل الرشوة . لايمكنك أن تجبرها على تغيير ملامحك عند الغضب ولا أن تمنحك إبتسامة اضافية عند الفرح .

يكفيها شرفا. إنها لا تكذب ولايمكن أن تكذب .

 

 

  • شارك على:

انضم لنا على الفيسبوك

@BoardingMgz

تابعنا على تويتر

@Boarding_Mag

تابعنا على الانستغرام

@Boarding_Mag

شاهدنا على اليوتيوب

@Boarding_Mag

تصفح الأعداد

سويس سيلك اوتيل
كورال_جدة
الأهرام للسياحة
image title here

Some title