حكاية التاني اللى واقف ورا الأولاني | مجلة بوردنج
alternative title
طيران نسما

حكاية التاني اللى واقف ورا الأولاني

بوردنج  - غادة أحمد

وقتما تقودك المهنة لإجراء حوار مع رجل تاني غير الراجل الأولاني الذي تقصده ووقما يسايرك التاني بجرأة مدّعيا أنه الأولاني لحظتها أعلم إنك وقعت فى الفخ . حكاية تتكرر كثيرا في زمن تقمص الشخصيات وولع البعض بإرتداء رداء الغير . ومع تفاصيل القصة المُدهشة التي سأرويها على السطور أكون أنا غادة أحمد أول صحفية وربما الأخيرة التي تجري حوارا مع هذا الرئيس . 

منذ سنوات طرق باب مكتبي صديق من أحد الأقسام المعاونة بصحيفة شهيرة يبلغني أن مدير التسويق يطلب مني فى عُجالة الذهاب لأحد الفنادق لإجراء حوار مع رئيس دولة افريقية . تعجبت من المطلب فمدير التسويق ليس معنيّا بالتكليف كما أنه لايملك صلاحية إجراء الحوارات ونشرها كما أن هذا الطلب يصطدم كليّا بمرجعياتي المهنية التي تؤكد أن لحوارات الرؤساء ترتيبا وبروتوكولا خاصا لايعرف السرعة و العُجالة . . ومع كل تساؤلاتي المحيّرة رتبت أغراضي وتوجهت وزميلي المصوّر للفندق .

تركت بالاستقبال بطاقتي الصحفية ..لحظات وجاءني رجلا أسمر اللون طويل القامة ليسألني : فى أى شىء ستسألين الرئيس وهل هناك أسئلة معدّة سلفا للحوار؟ وعلى الفور استنفرت حميتي المهنية وأهديته سبع أسئلة . كل سؤال يلامس زاوية مغايرة .

صعدنا  للطابق الرابع لندخل معا غرفة متواضعة لاتزيد محتوياتها عن سرير مزدوج وتليفزيون وتلاجة وميني بار . صدمتني بساطة الغرفة والتي تتنافي مع ما أعرفه عن أجنحة الضيافة الرئاسية ولكني لم أنشغل لحظتها بالأمر .  خرج الرئيس من الحمام المجاور للسرير ليستقبلني وزميلي المصور بحفاوة بالغة وكأنه يعرفنا من زمن طويل .     

أدرت مسجل الصوت.. لكن الرئيس لم يمهلني كي أقدم السؤال وبدأ فى الحديث عن الأوجاع والآلام والمعاناة . حاولت مقاطعته بسؤال عن السياحة فتحدث عن الألم ومن ثم عن الزراعة فعاد الوجع وأخيرا الطرق فأهداني فصول الحزن الطويل حتى كدت أبكي مع الرئيس على حال الدولة التي خاصمتها الحياة وأهدتها كل هذه الأوجاع .

أنهيت الحوار الباكي وقمت بصياغته ومن ثم توجهت لنائب رئيس التحرير أستأذنه النشر ..ولأنه كان مسئولا شديد الذكاء متوقد الذهن سألني : من هذا الرجل قلت : الرئيس قال : ومن كلفك بالحوار؟ : قلت مدير التسويق قال: ماهى صلاحيات مدير التسويق؟ قلت : الإعلان : قال وأين الإعلان ؟: قلت أنا صحفية وليس مهمتي جلب الإعلان . قال ومن كلفك بالحوار ؟: قال مدير التسويق ومن التاني اللى واقف ورا الأولاني  قلت لا أعرف .. صمت قليلا وأنزل نظارته لأسفل قال اذهبي لمركز المعلومات واستوثقي من الاسم والصورة .

صعدت لمركز المعلومات وأجريت بحثا لـ 3 ساعات ولكن للأسف لم أجد للاسم ذكر ولا للصورة مكان . بحثت عن الراجل التاني اللى واقف وراء الأسمراني فإذ بسيرته قد انعدمت  نهائيا على كل مواقع البحث .

عدت أجر أذيال الخيبة وأطرق باب المسئول بخجل وقبل أن أتكلم نظر اليّ من تحت نظارته ومزق الحوار.

ذهبت للفندق فلم أجد أحدا ..اتصلت بمدير التسويق فأبلغني أنه أخذ الخبر من مصدر والمصدر من مصدر  وهكذا دواليك  . ومع الدوخة التي عشتها بحثا عن الأولاني أو حتى التاني وخيبة الأمل التى تجرعت مراراتها من حوار لم تُكتب له الحياة  لازالت أتذكر القصة واسأل نفسي ماذا كان يريد الأسمر والأسمراني ..ومن فيهما الأول ومن التاني ؟ 

تذكرت الحكاية  رغم مرور السنوات ليس لأنها قصة خانني فيها الذكاء المهني ولم تستوقفني خلالها مشاهد الغرفة الضيقة ودراما البكاء ..بل لأني أرى الكثير اليوم قد رفضوا ذواتهم وارتدوا قميص غيرهم . يحملون بطاقات ليست لهم  ويتكلمون بلسان آخرين . 

  • شارك على:

انضم لنا على الفيسبوك

@BoardingMgz

تابعنا على تويتر

@Boarding_Mag

تابعنا على الانستغرام

@Boarding_Mag

شاهدنا على اليوتيوب

@Boarding_Mag

تصفح الأعداد

سويس سيلك اوتيل
كورال_جدة
الأهرام للسياحة
image title here

Some title