alternative title
إعلان 2

غادة أحمد تكتب : عزيزي ابن بطوطة .. كلنا لصوص

غادة أحمد - بوردنج

 فشل أحفاد الرحالة الطيب ابن بطوطة كل الفشل في اقتفاء أثر جدهم الكبير.. علمهم أدب الرحلة وأوصاهم بمصداقية الطرح وأمانة السرد والنقل الموضوعي الشفاف .. دعاهم للسفر وقراءة طبائع البلدان وتحمل المشاق من أجل اكتشاف عوالم جديدة .  شارحا لهم عذابات الرحلة وهو يجوب البلدان على فرس يتحمل الأخطار ويطرق أبواب الملوك لينثر الشعر ويجني الأموال التي تعينه على إكمال الطريق . ليس هذا فقط بل حفزهم لإستثمار وسائل النقل من قطارات ومركبات وطائرات وسفن ليسافروا ومن ثم يكتبوا للحياة أجمل الحكايات ويتركوا للزمن أعظم موروث معرفي . ولكن ياللأسف لم يلتفت الأحفاد لنصائح الجد الكبير وفضلوا السفر وهم نائمون على السرير. يمسكون بالقلم ورؤوسهم مٌلقاة على الوسادة . يقدمون للحياة  أدبا مسروقا ورحلات منسوخة وأخرى أملاها عليهم شيطان الخيال .

ومع اعترافي بوجود بعض الأحفاد الصالحين لهذا الجدّ الطيب أمثال باترسون المواطن الأمريكي الذي زار كل بلدان العالم ماعدا كوريا بعد منعه من دخولها وجون جونجري الذى جاب كل بلاد الدنيا وقدم أعظم نصائح لعشاق السفر واللبناني جوزيف رعد الذى عاش حياته في حالة سفر دائم وقدم لنا كتابه الشيق " العالم بين يديك " إلا أن هذه النماذج – على قلتها - تدخل فى دائرة الاستثناء . وحتى  لايكون حديثي فى المطلق .. اقرأوا هذه الحكاية .

كتب زميل لي منذ قرابة عشر سنوات رحلة عن سان فرانسيسكو تم نشرها فى مجلة سعودية مغمورة . تخيّل زميلي صاحب القلم الرشيق والمفردات الإبداعية إنه سافر إلى هذه المدينة وركب دراجة على الجسر الذهبي المعلق وشرب الشاى في مقاهي لوبارد أشهر شوارع سان فرانسيسكو ومن ثم انتقل بطائرة داخلية إلى سجن الكتراز – أعتى السجون الأمريكية - وتجول بين الزنازين المصمتة ونام على ذات السرير الاسمنتي الشاهد على كوابيس السجين روبرت سترود .. كتب زميلي سيناريو وصفي شديد الإبداع حتى لا أبالغ لوقلت اننا أحببنا سان فرانسيكو من قلمه وتمنينا لو ننام ساعات داخل زنزانه الكتراز .

ومع جمال الرحلة التى انطلقت ليلا من على السرير وانتهت اليه حازت الرحلة الرائعة على إعجاب القراء ممن تقاطرت رسائلهم إلينا تحمل الإشادة بهذا الكاتب المبدع ليس هذا فقط بل انتقلت مجلتنا التي كانت توزع نسخة واحدة إلى مجلة ذات توزيع مرضي نسبيا 

من السرير الذى حوله زميلي إلى طائرة يسافر على متنه إلى سان فرانسسيكو أبدأ الحكاية المأساوية في دُنيا أدب الرحلات. وأسرد بأمانة وحيادية قصة جعلتني أترحم على أيام الجد الطيب ابن بطوطة .

أرسلنا المجلة " المغمورة " إلى رئيس تحرير مجلة مصرية ذائعة الانتشار لنستقرىء رأيه فى المطبوعة السياحية الجديدة بوصفه قامة من قامات الصحافة بالإضافة لكونه محترفا صاحب تاريخ واسم لامع فى أدب الرحلة .. تأخر علينا الرد فأدركنا لحظتها ان الصحفي الكبير انشغل عنا لأسفاره المتعددة أوربما ألقى بصنيعنا تحت الطاولة أوربما سخر من محتوى المطبوعة ولم يكترث بها .

وبعد 30 يوما فقط وبمحض الصدف الجميلة - قليلة الحدوث - وجدت المطبوعة المصرية الشهيرة التى يقوم على رئاسة تحريرها الصحفي الشهير لأطالعها بغية الاستفادة من محتواها فإذ بالرحلة التى كتبناها فى مجلتنا قد تم نسخها " كوبي بست " بنقاطها وفواصلها ونشرها باسم  وصورة الصحفي الكبير . قرأت فاذ به قد ركب الدراجة على الجسر الذهبي وشرب الشاى في مقاهي لوبارد وتجول فى سجن الكتراز ونام على السرير الاسمنتي الشاهد الأول على كوابيس روبرت سترود المخيفة .

لا أنكر إننى ابتسمت. فزميلي كتب من على السرير فى جدة ورئيس التحرير نسخ ذات الرحلة من على السرير في مصر  فيما يظهر فى الحكاية الغريبة ثلاث ضحايا فقط . الأولى هى سان فرانسيكو الجميلة التى لم يزرها هذا أو ذاك والثانية أمانة الرحلة ومصداقية الطرح التى ضاعت بين كاتب تلبسه شيطان الخيال وآخر لم يحترم المهنة وأصولها . أما الضحية الثالثة هم القراء الذين صفقوا للإبداع مرتين .مرة فى جدة ومرة فى مصر وهم لايدرون انها رحلة أقلعت من السرير وهبطت فى ذات المكان .

 مفاجأة أخرى داهمتنا وقتما اتصلنا برئيس التحرير المشهور لنسأل لماذا أقدم على جريمة مهنية بهذا الشكل ؟ فكان الرد والجواب صادما "مجلتكم لايقرأها أحد ومجلتنا يتابعها ملايين ومن ثم أغلق فى وجهنا الهاتف "

عزيزي ابن بطوطة.. هؤلاء هم أحفادك . لم يحترموا رحلتك على الفرس .هانت عليهم نصائحك الذهبية التي تدعوهم لأمانة الرحلة ومصداقية الطرح .. هؤلاء هم أحفادك ..لايسافرون ليقدموا أجمل الحكايات كما تمنيت .فالبعض يتخيل ليلا والآخر يسخر من نور الشمس ويسرق في وضح النهار . هؤلاء هم أحفادك مبدعون فى اختزال الزمن .لايركبون الفرس ولا الطائرة بل اتخذوا من السرير مفجرا للإلهام  ومن النسخ أسهل طريق للضحك على القراء .

لا تصدقوا من جاب العالم في 200يوم ولا من لفّ الدنيا فى 300يوم ولا من شاهد كل الحياة في 400 يوم  فلقد رحل الرحالة الطيب بفرسه فترحموا معنا على الأمانة الغائبة.

  • شارك على:

انضم لنا على الفيسبوك

@BoardingMag

تابعنا على تويتر

@Boarding_Mag

تابعنا على الانستغرام

@Boarding_Mag

شاهدنا على اليوتيوب

@Boarding_Mag

تصفح الأعداد

سويس سيلك اوتيل
مكة_كورال

قصة الأسبوع

Audi
image title here

Some title