alternative title
إعلان 2

أكثر رواده فنانون ومبدعون .. وقليل اليائيس من الحياة

فندق المنتحرين . العرسان فى المقدمة

أكثر رواده فنانون ومبدعون .. وقليل اليائيس من الحياة

رحلة : غادة أحمد

لأول مرة ...اتخذ قرارا من هذا النوع .. ولآخر مرة اتحدي ذاتي وأتجرأ على إرادتي  واستجيب لقلمي المجنون الذي أجبرني على السفر لجزيرة بعيدة كي اكتب سيناريو فيلم سينمائي جديد .. نسيت أن أعرفكم بنفسي . أنا غادة أحمد  كاتبة صحفية وصاحبة قلم مشهود له بالإبداع .. كتبت في حياتي 7 سيناريوهات جميلة ولكن لم يفز أي منها برضا المنتجين . لا أظن أنني لم أحسن حبكة ما كتبت أو استخدمت الصوت والمؤثر بشكل مغالي فيه أو حلقت بخيالاتي في سماوات تخطت المنطقية والقبول . ولكن كما يقال الفنون  أرزاق .

سافرت إلى إحدى الجزر السويسرية وأقمت في فندق  هادىء ناطق بالرفاهية . في غرفتي نافذة لم  أغلقها ولم أسدل ستائرها طوال عشرة أيام .. كنت أطالع منها  مشهدا رومانسيا غريبا بطلاه الموج والخضرة  حيث يداعب كل منهما الآخر برفق وكأنهما حبيبان . أما أنا فكنت الشاهد الوحيد على هذا الحب الذي يهدأ صباحا بأمر الخجل ويشتعل ليلا بصورة غريبة حتى أسمع لكليهما أصواتا عالية تشبه صوت ضحكات العرسان .

أجواء  حالمة تُشعل القريحة وتفجر الإبداع حتى قلت لنفسي . في هذا المكان فقط ُتصنع الأفلام . . وضعت الطاولة تحت النافذة وأخرجت أوراقي  وبدأت أفكر في  الفيلم – بداياته وحبكته وشخوصه و نهايته  - فوجدت قلمي يعزف -  دون إرادة مني - على الوتر الانساني وينعطف ناحية البكاء والدموع  والمآسي والأوجاع  . وبعد 20 مشهدا أو مايزيد توقفت ومزقت كل الورق مخافة الوقوع في فخ التكرار واستنساخ الدراما موجعة القلوب التي ملتها السينما وعزف عنها الجمهور .. استدعيت شيطان الضحك داخلي وعدت للكتابة من جديد على أمل أن أقدم فيلما كوميديا يسخر من قضية محورية أو حدث هام  ولكنى عدت لأمزق الأوراق  مخافة أن أكون من ذوات الدم الثقيل .

انتفضت من مكاني ثم القيت جسدي على سرير الغرفة ومن بعد قمت لأجلس على الطاولة  وبعدها أشد  ستائر النافذى نحوى واتركها  ثم اذهب إلى الباب لأفتحه وأغلقه سريعا .. حركات مجنونة دائما ما تصيبني كلما بحثت عن إلهام غائب أو فكرة ضائعة من رأسي  .  ورغم كل المحاولات التى بذلتها لاستدعاء الفكرة  إلا أنها جميعها باء بالفشل .. أجبرت نفسي على النوم علّ الفكرة  تأتيني وأنا ضيفة على عالم الاحلام .  

في صباح اليوم التالي أدهشني عدم وجود أحد بالفندق .. المطعم بلا رواد والطرقات بلا عابرين  والصالات يخيّم عليها الصمت المطبق . نظرت في ساعتي فإذ بها  الحادية عشرة صباحا . سألت موظف الاستقبال عن نزلاء الفندق فأجابني بالفندق نزيلان فقط .فقلت لماذا ؟  قال يا سيدتي نزلاؤنا يقيمون هنا لساعات فقط  ثم يرحلون ليس عن الفندق بل عن الحياة كلها .لاياتينا هنا إلا باحث عن أجواء جديدة للخلاص . هنا نقدم كل رفاهيات الموت  ونسمح للنزلاء باختيار  طرق النهاية  المريحة  .. الغرف أنيقة والأثاث فاخر  والموسيقى ناعمة . لا نتدخل ابدا فى شىء  .لا يزعجنا صوت الرصاص ولا نركض وراء صرخة عالية  .شعارنا مرحبا بالمنتحرين  وهدفنا تقديم الراحة لعشاق الموت الهادىء . نعم تعجبت لقدومك فاسمحي أن اسألك فمتى سترحلين  عن الدنيا ؟

قلت أنا لا أريد أن أموت فقط أريد أن اكتب .. بحثت عن فندق هادى بعيدا عن الصخب وآثرت الانعزال عن العالم  وما كنت أظن اننى قادمة إلى مكان بهذه الصورة الغريبة. قال : لا تتعجبي أيتها الضيفة . فنزلاؤنا من الفصيل المبدع لا يأتينا هنا إلا الشجعان رسامين وموسيقين وشعراء وأدباء . وقليل من اليائسين . 

اللافت أنني رغم الحوار المفزع والغريب إلا إن إحساسا خاصا ملأني بأن هذه هي بداية القصة  وان نزيل 612 سيكون هو مادة حكايتي . سأراقبه وهو يعزف واقترب منه وهو يجهز للحظة الأخيرة لأرى كيف يموت ولماذا يموت ؟   ساقني الفضول كي أسأل من جديد عن أغرب سياحة في التاريخ  والأشخاص الذين يقطعون المسافات للموت هنا .. نظرت لمحدثي وقلت : كم شخص ودعوا الحياة من هذا المكان فقال افتتحنا الفندق منذ 10 سنوات والحصاد 90 نزيلا  فقلت ألا توجد عقوبات على الفندق قال أبدا فنحن البلد الوحيد التي تُرخص للموت الرحيم كما أن هناك فنادق أخرى تشاركنا هذا النوع وتنافسنا في جذب النزلاء .

استأذنته بلهفة أن أرى نزيل 612 قبل أن يسافر للعالم الآخر . فقال اذهبي إليه واطرقي الباب ستجدينه يعزف الموسيقى وليتك تلحقي به قبل اللحن الأخير .   ترددت فى الصعود فانا امرأة خجولة بطبعي لم اعتد طرق باب غرفة ما لا اعرفه .. ولكن ما أصعبها وخزات المهنة وأحلام صناعة القصة جعلتني أركض حتى صعدت إليه .

طرقت الباب وفى مخيلتي اننى سأرى عجوزا يائسا من الحياة . يعزف للدنيا عزف الوداع  ولكن أبدا رأيته شابا وسيما ذا ملامح شرقية ناطقة بالحُسن . ادعيت أمامه – خجلا – اننى طرقت الباب بالخطأ . فأومأ لي مبتسما  ودعاني للجلوس تاركا الباب مفتوحا – تأدبا -  عرفني بذاته فإذ به يملك سيرة تفوح منها نسائم النجاح  . تعجبت أكثر وشدني التناقض الغريب بين شاب يملك كل مقومات الحياة ولكن يبحث عن طريقة للموت . استأذنته لتناول الغداء معي فاستجاب ولكن ابلغني بعدم رغبته فى التأخير  لموعد هام يريد اللحاق به  فى الرابعة عصرا

نزلنا المطعم وتبادلنا الحكايات والضحكات أيضا الأمر الذي حفزني للحديث عن نفسي أمامه وكأنه مرآة لا أشعر أمامها بالخجل . ساعتان فقط اكتشفت خلالها في الموسيقار الوسيم جملة من الخصال التي تنشدها كل النساء .. وسامة وثراء وأسلوب جاذب وإبداع في عالم الفن الجميل . ساعتان لم أملّ فيهما من الجلسة معه بل تمنيتها لو تطول ولكنه كان ينظر كثيرا في ساعته .. ولأنني اشد حرصا على الاقتراب منه ومعرفة حكايته قلت له : نحن نزيلان في فندق واحد . ليتنا نتحدث مرة أخرى فما أوحشه هذا المكان رغم رفاهيته . فلم يجب على سؤالي .

ترك المكان وأخرجت سريعا مفكرتني لأرسم ملامح بطل القصة بل لا أبالغ اننى كتبت في ساعة واحدة 40 مشهدا لبداية أعظم أفلام الحياة .. فيلم توقعت له النجاح وتنبأت  - داخليا - بتحقيقه أعظم الابرادات . كتبت السيناريو بمؤثرات صوتية أملاها علىّ خيالي المتوقد .وبصور لونية قاتمة تناسب سواد الحكاية   وتخيلت على الورق صوت طرقات الأبواب وخطى الأقدام  وصرخات الموتى . مرت الرابعة ومن بعد الخامسة والسادسة  فاتصلت بغرفته فلم يجب . هرعت إليه لأطرق الباب فلم يجب .. استأذنت موظف الاستقبال فصعد معي  ولكن ياللأسف وجدته ممدّدا على الأرض وبجواره الكمان .. مددت يدى لأحمل هذه الآلة الناطقة بجميل الألحان لأسألها لماذا تركتي أنامله تهرب من على الوتر ؟ ولماذا لم ترفعي الصوت أكثر  وتطلبي النجدة لرفيق الرحلة ؟ بكيت بكاء حارا على رجل التقيته في العمر ساعتين  وحفزني لكتابة قصة من أروع قصص الحياة  ولكنها لم  تنته ولن تكتمل .

رحل العازف الوسيم وبقيت أنا بمفردي فى فندق الطوابق الخمس  صاحب الـ  300 غرفة وجناح  . رحل العازف الوسيم بأسراره . لا نعرف من أين جاء ولماذا جاء وكيف مات ؟ .

استجمعت أوراقي وحزمت حقائبي  وألف سؤال يدور في رأسي . عن سياحة الانتحار ذلك  المسمى الكريه والتصنيف القبيح  ولماذا سويسرا الجميلة المليئة بنقاط الحسن والجمال قد اختيرت لتكون محطة الوداع ؟ وكم يربح هذا الفندق من عشاق الموت ؟ وكيف يروّج مالك الفندق لهذا المكان وهو يبيع بضاعة الرحيل للمشترين ؟  ولماذا اتعب نفسه وهو يؤثث المكان بالملايين كي يتحول بأمر السياحة إلى قبر كبير .؟ وماذا قدمت الحياة لهذا الموسيقى كى يكرهها إلى هذا الحد ؟  وأخيرا لماذا غابت القوانين وفتحت لهذا النوع من السياحة مكانا حتى لو كانت جزيرة بعيدة عن العيون ؟

سلمت مفتاح غرفتي للإستقبال  واستدرت بظهري لأجد عروسين قد اتجها ليتسلما مفتاح قبر العسل . نظرت لهما بعيني  واكتفيت بالقول .. صدقوني الحياة حلوة .

 

 

  • شارك على:

انضم لنا على الفيسبوك

@BoardingMag

تابعنا على تويتر

@Boarding_Mag

تابعنا على الانستغرام

@Boarding_Mag

شاهدنا على اليوتيوب

@Boarding_Mag

تصفح الأعداد

سويس سيلك اوتيل
مكة_كورال

قصة الأسبوع

Audi
image title here

Some title